على الوجه لأنه يعلق من ذلك الصّعيد ببعض الكف ولا يعلّق ببعضها فان هذا الحديث الشريف صريح في عدم وجوب استيعاب مسح الرأس والرجلين في الوضوء لمكان الباء فيجرى مثله في الوجوه والأيدي في التيمم لقيام العلّة ويؤكد ذلك أيضا ظاهر قوله عليه السلام أثبت بعض الغسل مسحا هذا ثمّ ان استفادة التبعيض فيه من الباء في الآية الكريمة كما فهمه المحقق باعتبار كون الباء فيما للتبعيض فإنه من أحد معا في مطلق الباء على ما قيل ومثل له بهذه الآية قالوا وفي قوله عليه السلام كفاية في ذلك ولا عبرة معه بقول ابن جنّي ان أهل اللغة لا يعرفون هذا المعنى بل يورده هذا الفقهاء وكذا لإنكار سيبويه ذلك في سبعة عشر موضعا من كتابه على أن انكارهما مع كونه شهادة على النفي معارض باصرار الأصمعي على اثباته وهو انس بكلام العرب واستعمالاتهم ووافقه أيضا جماعة من النّحويين كلى على وابن كيسان وابن ملك وابن هشام وقال ابن إدريس في السّرائر الباء عندنا للتبعيض بغير خلاف وأيضا الظاهر من كلام نجم الأئمة رض ان مجيئه بمعنى من ممّا لا انكار عليه ومثّل له بقوله تعالى
يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ
وعلى هذا يمكن ان يكون افادته التبعيض بهذا الاعتبار ويمكن ان يكون استفادة التبعيض باعتبار تغيير الأسلوب والفصل بينه وبين غسل الوجه بزيادة الباء هنا دونه لا يدلّه من نكته ويمكن ان يكون هي الإشارة إلى التبعيض ولو باستعمالها بمعنى من التبعيضيّة مجازا فان إقامة بعض حروف الجرّ مقام بعض غير عزيز كما هو المشهور بينهم وليس الغرض الاستدلال من الآية الكريمة حتى يتوجه المناقشة بمنع كون النكتة ذلك وابدأ نكتة أخرى لو أمكن أو منع كون الباء فيها للتبعيض مع مجيئها المعان أخرى بل تعويله عليه السلام على علمه من خارج بان الباء فيها للتبعيض أو ان تغيير الأسلوب للإشارة إلى ذلك وعلى ما أشار اليه من تفسير رسول اللّه ص وبيانه فالغرض بيان ماخذ الحكم وما يشير اليه بوجه على أنه على تقدير كون الباء للتبعيض أو قيام قرينة صالحة للحمل عليه يتوجه الاستدلال أيضا بان يقال إن الآية الكريمة حينئذ لا تدل الاعلى وجوب مسح البعض والأصل نفى الزائد هذا وعلى تقدير حمل الباء على الالصاق كما هو أصلها على ما نقل عن سيبويه يمكن ان يقال إن قوله
امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ
ظاهره استيعاب الرأس واما بعد زيادة الباء فالباء يقيد أن الغرض انما هو الصاق المسح بالراس ويكفى فيه الصاقه ببعضه فلا يفيد الاستيعاب وقد صرح بما ذكرنا صاحب الكشاف حيث قال في تفسيره وامسحوا برؤوسكم المراد الصاق المسح بالراس وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح برأسه وقد اخذ مالك بالاحتياط فأوجب الاستيعاب أو أكثره على اختلاف الرّواية واخذ الشافعي باليقين فأوجب أقل ما يقع عليه اسم المسح انتهى ويمكن تنزيل الرّواية على هذا أيضا وعلى هذا فالمراد بقوله عليه السلام فعرفنا حين قال برؤوسكم ان المسح ببعض الرأس لمكان الباء انا عرفنا بالباء ان المسح اللازم ليس الا المسح بالبعض أو عرفنا ان المراد خصوص البعض بإشارة الباء وضميمة تفسير النّبى ص فتدبّر وبما قررنا ظهر ان تشنيع المحقق البهائي رحمه الله في حواشي زبدة الأصول على العلّامة رحمه الله بأنه رجّح في التهذيب عدم مجيء الباء للتبعيض محتجا بانكار سيبويه مجيئها له ولم يلتفت إلى ما نطق به كلام الإمام عليه السلام في تلك الرواية الصحيحة المشهورة التي رواها مشايخنا الثلاثة في أصولهم الثلاثة المعروفة اعني في والفقيه والتهذيب فإن كان قدّس اللّه روحه لم يطّلع عليها فعجيب وان اطّلع ومع ذلك رجح كلامه سيبويه عليها فاعجب انتهى ليس بشيء إذ ربما تفطن العلّامة بامكان توجيه الحديث بما ذكرنا من الوجهين من دون حمل الباء على التبعيض وجعل التبعيض من معانيها الحقيقية نعم ما رجحه في التهذيب مخالف لما حكم به في هي من أن الباء للتّبعيض والامر فيه هيّن إذ اختلافهم في الرّأي في الكتابين بل في موضعين من كتاب واحد ليس بعزيز ثمّ بعد تأويل اخبار الوجه القول بوجوب مسح الجبهة والجبينين جمعا بين الاخبار وعملا بما نقل من الاتفاق على وجوب مسح الجبهة وامّا الحاجبين فليس فيهما عين ولا اثر في الآثار فحكمها ما ذكره الشارح ولا باس بمسحهما كما ذكره في الذكرى بل هو أحوط خروجا
من خلاف من أوجبه خصوصا مع ما أشرنا اليه من اشعار عبارة الشيخ بالاتفاق عليه واللّه تعالى يعلم وبما قررنا ظهر وجه تقييد بعضهم كما هنا طرف الأنف بالأعلى وان مراد من أطلقه أيضا وهم الأكثرون ذلك ان لم يوجد التحديد به في الاخبار حتى يحتمل الطّرف الآخر أيضا بل بناؤه على وجوب مسح الجبهة فإنه حدّ لها وظاهر ان حدّ الجبهة هو الطرف الا على لا الأسفل ولم يرد نصّ في خصوص الأنف وروايات الوجه تشمله وغيره فلا وجه لتخصيص الانف من جملتها ومنه يظهر انّ ما ذكره المصنف في الالفيّة من انّه إلى الطّرف الأسفل أولى فيه ما فيه وفي السّرائر بعد ما ذكر انه يمسح بها وجهه من قصاص شعر رأسه إلى طرف انفه الذي يرغم به في سجوده قال وقد اشتبه على كثير من المتفقّهة الطّرف المذكور فيظن انه الطّرف الذي هو المارن لإطلاق القول في الكتب فلعلّ نظر المصنف إلى الخروج من قولهم وفيه ما فيه فتأمّل
قوله ظهر يده اليمنى ببطن اليسرى
كون الممسوح انما هو ظهر الكفين هو المشهور بين الأصحاب بل كأنه لا خلاف فيه بين القائلين بالمسح من الزائد ويشهد له من الرّوايات حسنة الكاهلي المتقدمة وامّا كون المسح ببطن الكفّين فهو المعروف بينهم مع الاختيار قال في الذكرى نعم لو تعذر المسح بالبطن العارض من نجاسة أو غيرها فالأقرب الاجتراء بالظّهر في المسحين لصدق المسح وفي المدارك حكم في صورة التعذر باجزاء المسح بالظهر مع احتمال وجوب التولية وقد سبق منافى بحث الضرب بالظّهر مع التعذر كلام في هذا المقام فتذكّر
قوله من الزّند بفتح الزاي إلى آخره
هذا هو المشهور بين الأصحاب ونقل عن علىّ بن بابويه أنه قال امسح يديك من المرفقين إلى الأصابع ونقل في السّرائر عن قوم من أصحابنا ان المسح على اليدين من أصول الأصابع إلى رءوسها وقال الصدوق في الفقيه فإذا تيمّم الرّجل للوضوء ضرب يديه على الأرض مرّة واحدة ثمّ نفضهما ومسح بها جبينيه وحاجبيه ومسح على ظهر كفيه وإذا كان التيمم للجنابة ضرب يديه على الأرض مرة واحدة ثمّ نقضهما ومسح بها جبينيه وحاجبيه ثمّ ضرب يديه على الأرض مرة أخرى ومسح على ظهر يديه فوق الكفّ قليلا ويبدأ بمسح اليمنى قبل اليسرى وفي المقنع ذكر انه تدلك احدى يديك بالأخرى فوق الكفّ قليلا من غير تفصيل وفرق بين بدل الوضوء أو الغسل ثمّ نسب المسح من المرفق إلى أطراف الأصابع إلى رواية والأظهر ما هو المشهور للرّوايات الدالة عليه كصحيحتي زرارة وموثقته وحسنة ابن بكير عنه وحسنة عمرو بن أبي المقدام وحسنة الكاهلي وصحيحة إسماعيل بن همّام المتقدمة واستدل أيضا في المدارك بالآية الكريمة فان الباء للتبعيض كما سبق وبان اليد هي الكفّ إلى الرسغ وما ذلك اى الزّند يدل عليه قوله تعالى
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما
والاجماع منّا ومن العامة منعقد على أنها لا تقطع من فوق الرسغ وما ذلك الا لعدم تناول اليد له حقيقة وفيهما تامّل امّا في الأول فلان كون الباء للتبعيض لا يدل الا على نفى وجوب المسح إلى المنكب قاله الزهري من العامة لصدق البعضيّة على تقدير وجوب المسح إلى المرفق أيضا وكذا إلى أصول الأصابع بل يمكن ان يجعل هذا حجّة