وأوّله جدّي قدس سره في الشرح بحمل أشهر الحجّ فيه على ما يطابق المشهور ، حيث قال :
أي ثلاثة منها متوالية حرّمت لأجل الحجّ : ذو القعدة وبعض ذي الحجّة للذهاب إلى مكّة وبعض ذي الحجّة للحجّ والعمرة ، وبعضها مع المحرّم للعود ؛ لأنّه تعالى جعل بيته الحرام في موضع كان أطرافه براري ، وكان يعلم أنّها تكون مسكن الأعراب ، والغالب عليهم القتال ، فحرّم القتال في هذه الأشهر ؛ ليأمن الناس من شرّهم ، ويحجّوا آمنين ، وشهر مفرد قرّره اللَّه تعالى للعمرة للأطراف من أهل المدينة وغيرهم ممّن كان بعدهم من مكّة إلى أربعة عشر يوماً ؛ ليعتمروا آمنين في الذهاب والإياب . « 1 »
وحكى في مجمع البيان « 2 » قولًا بأنّها أشهر السياحة بعينها ، وكأنّ القائل منحصر في العامّة ، ورجّحه البيضاوي محتجّاً بالإجماع وباقتضاء السياق ايّاه ، حيث قال في تفسير الآية الكريمة :
فإذا انقضى الأشهر الحرم أبيح للناكثين أن يسيحوا فيها ، وقيل : رجب وذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم ، وهذا مخلّ بالنظم ، مخالف للإجماع ، فإنّه يقتضي بقاء حرمة الأشهر الحرم ؛ إذ ليس فيما نزل بعد ما ينسخها . « 3 »
وحرمة هذه الأشهر على ما مذهب الأصحاب كانت مقرّرة قبل الإسلام بين العرب ، وهي من سنّة إبراهيم عليه السلام ، ولكن حدث منهم نسيء آخر غير ما ذكر ، فكانوا يؤخّرون في بعض السنوات تحريم المحرّم إلى صفر ، ففي مجمع البيان في تفسير قوله تعالى :
« يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً »
« 4 » ، أي يجعلون الشهر الحرام حلالًا إذا احتاجوا إلى القتال فيه ، وإذا لم يحتاجوا إلى القتال لم يفعلوا ذلك . « 5 »
هامش
( 1 ) . روضة المتّقين ، ج 5 ، ص 87 .
( 2 ) . مجمع البيان ، ج 5 ، ص 15 .
( 3 ) . تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 129 .
( 4 ) . التوبة ( 9 ) : 37 .
( 5 ) . مجمع البيان ، ج 5 ، ص 54 .