وما سبق من أنّ القلّة ما يقلّه بعير ، وكأنّه لذلك سمّيت الحياض التي في الحمّامات بالقلّتين ، وربما حمل على التقيّة ، وكذا الأقوال الباقية ممّا عدا الكرّ ضعيفة ؛ لعدم استنادها إلى مستند يعتدّ به ، فيبقى الكرّ معتمداً عليه ؛ لثبوت روايته من الطريقين ، هذا .
وذهب شيخنا المفيد قدس سره في المقنعة والسلّار على ما حكي عنه من مياه الحياض والأواني وغيرهما ، وذهبا إلى أنّ الكرّ منهما كالقليل ينجّس بالملاقاة « 1 » .
وحكى في المختلف أنّهما احتجّا بعموم النهي عن استعمال ماء الأواني مع نجاستها « 2 » .
وهو كما ترى ، ولبُعد ذلك .
قيل : مرادهما بالكثرة الإضافيّة العرفيّة ، وبالحياض والأواني التي تتّخذ من الجلود لسقي الدوابّ ممّا لم تسع الكرّ « 3 » ، وكلام المقنعة آبٍ عنه .
واعتبر أبو حنيفة في نجاسة الكثير تيقّن حصول النجاسة أو غلبة الظنّ بذلك تغيّر أو لا ، على ما حكى عنه في الناصريّات « 4 » ، وكأنّ هذا كان قولًا ثانياً ، وإلّا فقد سبق أنّه قد فرّق بين القليل والكثير .
ثمّ إنّ النصوصَ الدالّة على اعتبار الكثرة وكلامَ الأكثر خاليةٌ عن التقييد بتساوي السطوح ، بل ظاهرهما تقوّي كلّ من العالي والسافل بالآخر مع صدق الوحدة عرفاً ، واعتبر بعضهم التساوي ، وقيل : الأسفل يتقوّى بالأعلى ، وإلّا لزم أن ينجّس كلّ ماء يكون تحت النجاسة من الماء المنحدر وإن كان نهراً عظيماً ، وهذا ممّا لم يقل به أحد ، ولا عكس ؛ لأنّ الأعلى والأسفل لو اتّحدا في الحكم ، لزم تنجّس كلّ أعلى قليلٍ متّصلٍ
هامش
( 1 ) . المقنعة ، ص 64 ؛ المراسم ، ص 36 .
( 2 ) . مختلف الشيعة ، ج 1 ، ص 176 ، آخر الفصل الثاني من كتاب الطهارة .
( 3 ) . منتهى المطلب ، ج 1 ، ص 53 ؛ مشرق الشمسين ، ص 383 .
( 4 ) . الناصريّات ، ص 68 - 69 .