ذلك على ظاهره - كما هو صريح كلام الشيخ رحمه الله « 1 » - لم يأت شيء ممّا ذكرناه ، لأنّه إحداث قول ثالث . وحينئذٍ فاختيار أحد المذهبين مشكل جدّاً .
واعلم أنّ أصحاب القول الأوّل أوردوا على أصحاب الثاني أنّ التكليف بإصابة الحرم يستلزم بطلان الصلاة في البلاد المتّسعة بعلامة واحدة ، للقطع بخروج بعضهم عن الحرم ، واللازم باطل فالملزوم مثله والملازمة ظاهرة ، مع أنّ بعضهم صرّحوا بأنّ قبلة العراق والخراسان واحدة ، ومعلومٌ زيادة التفاوت بينهما .
وأجيب بأنّه ليس المراد المحاذاة الحقيقيّة البتّة ، بل الحسيّة كافية وهي حاصلة في البلاد المتباعدة ، إذ الشيء كلّما ازداد بُعداً ازداد محاذاةً . وعلى هذا فإنّما يظهر أثر الخلاف في القريب خاصّة ، وسبيل الاحتياط واضح .
[ الحكم بكون عين الكعبة وجهتها قبلةً ]
ثمّ الكعبة التي هي القبلة عيناً أو جهةً ليست هي نفس البناء ، بل الفضاء المشغول بذلك البناء النازل في تخوم الأرض الصاعد إلى أعنان السماء . ولهذا صحّت صلاة من نزل في بئر زمزم مثلًا إذا تمكّن من السجود كما صحّت صلاة من صعد إلى أبي قبيس .
يدلّ على ذلك ما في بعض الروايات المعتبرة عن الصادق عليه السلام أنّه سأله رجل ؛ قال : « صَلَّيْتُ فَوْقَ أَبِي قُبَيْسٍ الْعَصْرَ ، فَهَلْ يُجْزِي ذَلِكَ وَالْكَعْبَةُ تَحْتِي ؟
قَالَ : نَعَمْ ؛ إِنَّهَا قِبْلَةٌ مِنْ مَوْضِعِهَا إِلَى السَّمَاءِ » « 2 » .
وعن خالد [ بن ] أبي إسماعيل « 3 » عنه عليه السلام ؛ قال : « قُلْتُ لَهُ : الرَّجُلُ يُصَلِّي عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ، قَالَ : لَا بَأْسَ » « 4 » .
هامش
( 1 ) . الخلاف ، ج 1 ، ص 295 ، المسألة 41 .
( 2 ) . التهذيب ، ج 2 ، ص 383 ، ح 7 ؛ الوسائل ، ج 4 ، ص 339 ، ح 5335 .
( 3 ) . الكافي : « عن خالد عن أبي إسماعيل » ؛ التهذيب : « عن خالد بن أبي إسماعيل » ؛ النسخ : « خالد أبي إسماعيل » .
( 4 ) . الكافي ، ج 3 ، ص 391 ، ح 19 ؛ التهذيب ، ج 2 ، ص 376 ، ح 97 ؛ الوسائل ، ج 4 ، ص 339 ، ح 5336 .