وأكرم الذين بهم تصول ، وازدد لهم على طول الصحبة برّا وإكراما وتبجيلا وتعظيما ، فليس جزاء من أعظم شأنك أن تضع من قدره ، ولا جزاء من سرّك أن تسوءه . أكثر البرّ ما استطعت لجليسك ، فإنّك إذا شئت رأيت رشده . من كساه الحياء ثوبه اختفى عن العيون عيبه . من تحرّى القصد خفّت عليه المؤن . من لم يعط نفسه شهوتها أصاب رشده . مع كلّ شدة رخاء ومع كلّ أكلة غصص . لا تنال نعمة إلّا بعد أذى . لن لمن غلظك « 1 » تظفر بطلبتك . ساعات الهموم ساعات الكفّارات . والساعات تنفد عمرك . لا خير في لذّة من بعدها النار ، وما خير بخير بعده النار ، وما شرّ بشرّ بعده الجنّة . كلّ نعيم دون الجنّة محقور ، وكلّ بلاء دون النار عافية . لا تضيّعنّ حقّ أخيك اتّكالا على ما بينك وبينه ، فإنّه ليس لك بأخ من أضعت حقّه . لا يكوننّ أخوك على قطيعتك أقوى منك على صلته ، ولا على الإساءة إليك أقوى منك على الإحسان إليه .
يا بنيّ ، فإذا قويت فاقو على طاعة اللّه ، وإذا ضعفت فاضعف عن معصية اللّه ، وإن استطعت ألا تملّك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فافعل ، فإنّه أدوم لجمالها ، وأرخى لبالها ، وأحسن لحالها ، فإنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة ، فدارها على كلّ حال ، وأحسن الصحبة لها فيصفو عيشك ، واحتمل القضاء بالرّضا ، وإن أحببت أن تجمع خير الدنيا والآخرة فاقطع طمعك ممّا في أيدي الناس ، والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته » « 2 » .
هذا آخر وصيّته لمحمّد بن الحنفيّة .
* بيان
« الحين » الهلاك « القضاء بالظنّ على الثقة » أي إذا كنت تثق بأحد في الدين والديانة والمحبة وغيرها ، فما لم يحصل لك اليقين بزوال هذه الأشياء عنه لا تحكم بالزوال ، فإنّ الظن لا يغني من الحق شيئا « قد يكون اليأس إدراكا » فإنّه إذا يأس من الناس يتداركه اللّه بقضاء حاجته « استعتب من رجوت عتابه » أي استرض من خفت منه العتاب ، « والمتنصّل » المتعذّر .
هامش
( 1 ) . في نسخة : غلظك .
( 2 ) . الفقيه 4 : 389 / 5834 .