تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تمهيد القواعد الأصولية والعربية لتفريع قواعد الأحكام الشرعية — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
أبدا أطاع أو عصى أبدا ، فكانت النية سببا في الخلود ، بخلاف العمل . وهذا مناف للحكمة والنقل الدال على عدم المؤاخذة على النية ، فكيف يدوم العقاب لأجلها أو استحقاق الثواب ؟ ! وإنما العمدة في الخلود على السمع . أو أنّ النية سرّ لا يطّلع عليه إلا اللّه ، وعمل السر أفضل من عمل الجهر . وفيه : أن العمل أيضا قد يكون سرا ، كما لو نوى التفكّر في الملكوت ، الّذي ورد أنّ ساعة منه من أفضل العبادات ، أو نوى أن يذكر اللَّه بقلبه ، فلا يحصل للنية مزية على العمل ، فكيف تفضّل عليه لذلك . والأظهر في الجواب أن يقال : إنّ الخبر جار على عمومه ، وأنّ المعنى به أنّ كل طاعة تنتظم بنية وعمل ، كانت النية من جملة الخيرات ، وكذلك العمل ، ولكن النية خير منه . وأما سبب كونها خيرا منه فلا يفهمه إلا من فهم مقصد الدين وطريقه ، ومبلغ أثر الطريق في الإيصال إلى المقصد ، وقاس بعض الآثار بالبعض ، فإن من قال مثلا : إن الخبز خير من الفاكهة ، فإنما أراد أنه خير منها بالإضافة إلى مقصد القوت والاغتذاء ، ولا يلزم أن يكون خيرا منها مطلقا حتى لو استغنى في بعض الأوقات عن الغذاء ، وافتقر إلى الفاكهة ، لحاجته إلى الترطيب ونحوه ، كان الخبز أفضل ، وإنما يفهم هذا من علم أن للغذاء مقصدا ، وهو الصحة والبقاء ، وأن الأغذية مختلفة الآثار فيها ، وفهم أثر كل واحد ، وقاس بعضها إلى بعض . وكذا نقول هنا : إن الطاعات غذاء القلوب ، والمقصود شفاؤها وبقاؤها وسلامتها في الآخرة وسعادتها وتنعّمها بلقاء اللَّه تعالى ، فالمقصد له السعادة بلقاء اللَّه تعالى فقط ، ولن يتنعم « 1 » به إلا من مات محبا لله عارفا به ، ولن يحبه إلا من عرفه ، ولن يتأكد ذلك إلا بالمواظبة على الطاعات وأعمال
هامش
( 1 ) في « د » : ينتفع .
تمهيد القواعد الأصولية والعربية لتفريع قواعد الأحكام الشرعية — صفحة 363 | الشهيد الثاني / عباس تبريزيان - سيد جواد حسينى - عبد الحكيم ضياء - محمد رضا ذاكريان