أمّا كلام أبي حنيفة فهو ضعيف ؛ لأنّ الواجب عليه الحجّ وقد فعله .
إذا عرفت هذا : ففي ردّ التفاوت حينئذ إشكال من وجهين :
أحدهما : أن يقال : حجّة من العراق أحرم بها من الميقات ، كم يستحقّ الفاعل ؟
فإذا قيل : مائة ، فيقال : حجّة من العراق أحرم بها من مكّة ، كم يستحقّ الفاعل ؟ فإذا قيل : تسعين ، رجع المستأجر بالعشر .
الثاني : أن يقال : حجّة من العراق وحجّة من مكّة ويؤخذ من الأجرة بقدر التفاوت ؛ لأنّ سفره كان لنفسه .
والأوّل : أقرب ؛ لأنّا لا نعلم أنّ سفره كان لنفسه . ولأنّه لو عاد إلى الميقات وأحرم منه ، استحقّ جميع الأجرة . ولأنّ الأجرة وقعت على الأفعال وقد حصلت .
مسألة : الإجارة على الحجّ على ضربين : معيّنة وفي الذمّة .
فالمعيّنة : أن يقول له : استأجرتك لتحجّ عنّي بكذا وكذا ، فهاهنا يتعيّن على الأجير فعلها مباشرة ، ولا يجوز له أن يستنيب غيره ؛ لأنّ الإجارة وقعت على فعله بنفسه ، ولو قال : على أن تحجّ عنّي بنفسك ، كان تأكيدا ؛ لأنّ إضافة الفعل إليه في الصورة الأولى تكفي في ذلك .
فلو استأجر النائب غيره ، لم تنعقد الأجرة ، ولو استعان بغيره في الحجّ عن المستأجر ، صحّ الحجّ عنه ولم يستحقّ الحاجّ أجرة ولا المستأجر الأوّل .
وأمّا التي في الذمّة : بأن يستأجره ليحصل له حجّة ، فيقول : استأجرتك لتحصل لي حجّة ويكون قصده تحصيل النيابة مطلقا ، سواء كانت الحجّة الصادرة عنه من الأجير أو من غيره ، فإنّ هذا صحيح ويجوز للأجير أن يستنيب فيها ؛ لأنّه كالمأذون له في فعل ما استؤجر فيه لغيره ، وكان ذلك كما لو صرّح له بالاستنابة .