تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
على مقربة من حلب وكانت بلدة عظيمة وإليها كان يضاف الجند فيقال جند قنّسرين - فقد كان في جهاتها كثير من القبائل العربية التي أشهرها تنوخ ، وهم من ذرية النعمان الذي تضاف إليه المعرة ، وكانوا نصارى . ولا ريب أن النبي لم يخيّر بالهجرة إلى إحدى هذه الجهات إلا لأن أهلها عرب يحدبون عليه وينصرونه على أعدائه قياما بحق الرابطة المرعيّة بينهم وهي وحدة اللسان . وهكذا بقيت هذه الرابطة محترمة بين العرب بعد انتقال النبي من هذه الدار إلى دار القرار ، فإن الخليفة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه - الذي هو أعظم خلفاء الإسلام - احترم الرابطة اللسانية وبنى عليها صرح نجاحه فيما يتوخاه من مآربه ومقاصده ، فأمر العرب المسلمين في مبدأ خلافته أن يبدؤوا بقصد العراق والشام دون غيرهما لأن فيهما عربا يتّحدون معهم وينصرونهم وإن كانوا على غير دينهم . وقد صدّقت الوقائع حسن رأيه وحققت الماجريات صحة تفرّسه ، وذلك أن قائده الوليد بن عقبة لما قدم على عرب الجزيرة نهض معهم مسلمهم ونصرانيهم ، واستخلصوا الجزيرة من الروم . ولما تقدم عبد اللّه بن المعتمّ « 1 » - قائد العرب المسلمين - إلى فتح تكريت والموصل انضم إليه عرب إياد وتغلب والنمر والشهارجة ، وكلهم نصارى ، فكان فتح هذين البلدين بواسطتهم . ولما قصد المثنى فتح البويب بعث إلى من يليه من العرب المنتصرة يستنصرهم ، فوافى إليه منهم جمع عظيم ، وكان فيمن جاءه أنس بن هلال النمري في جمع عظيم من النمر النصارى ، وقالوا : نقاتل مع قومنا . وقال المثنى لأنس : إنك امرؤ عربي وإن لم تكن على ديننا ، فإذا حملت على مهران ( وهو قائد من الفرس ) فاحمل معي . فأجابه إلى ما طلب وحمل معه هو وقومه على مهران ، وكان قاتل مهران غلاما نصرانيا قتله واستولى على فرسه . وحارب زبيد الطائي مع العرب في واقعة الجسر حتى قتل وكان نصرانيا . وكثيرا ما كان عرب الشام والعراق عونا لإخوانهم العرب المسلمين في حروبهم يرشدونهم وينصحونهم ويحملون إليهم أخبار أعدائهم . من ذلك أن الوليد بن عقبة خرج غازيا إلى الروم فجاءه رجل من العرب النصارى وقال له : إني لست من دينكم ولكنني أنصح ، للنسب ، فالقوم يقاتلونكم إلى نصف النهار فإن رأوكم ضعفاء أفنوكم ، وإن صبرتم
هامش
( 1 ) من الصحابة ، والقوّاد في الفتوحات الإسلامية أيام الخليفة عمر بن الخطاب .
نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 294 | محمود فاخوري / كامل البالي الحلبي الشهير بالغزي / شوقي شعث