تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
هربوا وتركوكم . ومن هذا القبيل أن حمص بينما كانت في ذمة المسلمين إذ شغلوا عن حفظها فردّوا على أهلها ما كانوا أخذوه منهم من الجزية ، فقال أهلها : لولاؤكم « 1 » وعدلكم أحبّ إلينا مما كنا فيه من الظلم والضيم ، ولندفعنّ جند هرقل عن المدينة معكم . على أن الخليفة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه عرف حق هؤلاء العرب النصارى وكافأهم على حسن صنيعهم ونصرتهم للمسلمين وعاملهم بكل رفق ومواساة . من ذلك أن الوليد بن عقبة أبى أن يقبل من تغلب إلا الإسلام فكتب إليه عمر بأن يتركهم وما يدينون به . وكان في تغلب عزّ وامتناع ، وقد همّ بهم الوليد فخاف عمر أن يسطو عليهم فعزله وأمرّ عليهم فرات بن حيان . ولما همّ قواد المسلمين أن يضعوا الجزية على أهل الذمة - وفيهم جماعة من تغلب وإياد والنمر وهم نصارى - أبى هؤلاء الجزية . وبلغ عمر ذلك فاستشار أصحابه فقال له بعضهم : إنهم عرب يأنفون من الجزية . فوافق ذلك ما في نفسه ، ففرض عليهم الصدقة كما تفرض على المسلمين . هذه هي الرابطة القومية العربية وهذه حرمتها ورعايتها بين العرب في جاهليتهم وإسلاميتهم .

رابطة الجوار :

وأما رعايتهم حرمة الجوار ومحافظتهم على حقوق الجار مهما جار ، فإن الرجل من العرب كان قبل الإسلام متى قبل جوار إنسان وجب عليه حميّة أن يجيره من عدوه ولو ضحّى عنه نفسه ، وأن يفديه ولو بروحه ويقوم بحمايته من أعدائه مهما كانوا ، ويصونه من كل غائلة ويسعفه بكل طلب . وحسبنا شاهدا على ما قلناه قصة الكلابي مع عمير ابن سلمّي . وخلاصتها أن رجلا من بني كلب كان جارا لعمير ، وكان لعمير أخ اسمه « قرين » بغى على الكلابي فقتله ، فجاء أخو الكلابي واستجار بقبر أبي عمير وطلب من عمير أن يقتصّ من أخيه قرين ، فاجتهد عمير هو وقبيلته بالكلابي أن يقبل دية أخيه جميع ما تملكه القبيلة ويعفو عن قتل قرين ، فلم يفعل ، فقتل عمير أخاه قرينا بالكلابي وأنشد :
قتلنا أخانا للوفاء بجارنا * وكان أبونا قد تجير مقابره
هامش
( 1 ) في الأصل : « لولائكم » خطأ . واللام هنا لام الابتداء وهي مفتوحة والاسم بعدها مبتدأ مرفوع .