تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
تدعو الأمة إلى التحابب والتوادد والتناصر والتعاضد ، بحيث يكون كل فرد من أفراد هذه الأمة راقدا بواسطة هذه الجامعة في مهاد الوفاق والوئام مع باقي إخوته العربيين مهما اختلفت مللهم ونحلهم . فقد يتجلى لك من ملامح وجوه التاريخ أن العرب المسيحيين والموسويين والوثنيين في البلدان والقرى والصحاري ، من اليمن والحجاز والحيرة والعراق ، والجزيرة والشام الجنوبية والشماليّة ، كانوا في الأزمنة الغابرة راتعين مع بعضهم في بحبوحة الأمان والسلام على السواء ، وكانوا لا يعرفون التعصب للدين ولا النعرة الدينية ، بل كانت عصبياتهم لا تنعقد إلا للجنسية والحلف والولاء والجوار ، كما أن الحرب التي تقع بينهم كانت لا تثور إلا بسبب التنافس على مادة الحياة والتنازع على الرئاسة ، لا لاختلاف الملة والدين . فكانت قبيلة غسان مثلا فيها المسيحيّ والموسوي والوثني ، تحارب قبيلة غفار التي يوجد فيها من الملل الثلاث لعداوة دنيوية أو تنافس قومي يقع بين القبيلتين ليس إلا . ولم ينقل إلينا التاريخ أنه جرى بين أمتين عربيتين حرب أثارتها حمية دينية سوى الطفيف النادر الذي ربما كان سببه أمرا خارجيا عن العرب ، صادرا بتحريض من جاورهم وملك السيادة عليهم من الأمتين الفارسية والرومية . هكذا كانت الرابطة اللسانية مرعيّة عند الأمة العربية القحطانية والعدنانية . ثم لما جاء الإسلام بقيت هذه الرابطة محترمة بين العرب المسلمين وغيرهم ، يعتمد العربي على العربي ويركن إليه لمجرد كونه عربيا ، غير ناظر إلى ملّته ونحلته . حتى إن هذه العاطفة العالية كانت من جملة العواطف الشريفة التي تحلت بها شمائل النبي العربي محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإنه لما اضطهده قومه الأقربون حسدا وحرصا على الرئاسة اضطر إلى الهجرة عن وطنه والالتجاء إلى قوم آخرين يأوي إليهم ويستنصر بهم على أعدائه ، فخيّر بالهجرة إلى البحرين أو المدينة أو قنّسرين ، فقال : أوحي إليّ : أيّ الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك : المدينة والبحرين وقنّسرين . ومعلوم أن هذه الجهات كانت مسكونة بالعرب ، فالمدينة كانت مأوى أبناء قبيلة الأوس والخزرج ، وكان يسكن في ضواحيها قبائل سليم وكلهم أهل أوثان ، وكان القاطنون جهة البحرين بطونا من عبد القيس بن ربيعة وبكر بن وائل ، ومنهم كان أمير هذه الجهة من قبل الدولة الفارسية - حين مجيء الإسلام - المنذر بن ساوى ، من بني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، وكان فيهم النصراني والوثني . أما قنّسرين - وهي الآن قرية
نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 293 | محمود فاخوري / كامل البالي الحلبي الشهير بالغزي / شوقي شعث