وبينما هم في هذا الاضطراب والارتباك إذا بالسلطان سليم قد رمح بجواده وشق الصفوف وبيده سيف عمر بن الخطاب ( رضه ) ، وصاح في أمرائه صيحة ردوا بها على الجراكسة كالبحر إذا سال بعرض الوادي . وما زال السلطان سليم وعسكره سائرين حتى جاؤوا إلى صف الغوري ، وهرب خاير بك والغزالي ومن معهما ، ونادوا بأعلى أصواتهم - تجاه خيام الغوري - بأن السلطان سليما قد أحاط بكم والغوري قد قتل وانكسر وانكسرنا . فتبعهم الجلبان وتشتت العسكر وظنوا أن الغوري قتل حقا . وكان هذا الفعل من خاير بك وصاحبه مكيدة للغوري . أما الغوري فصار ينادي الهاربين : يا سادات ! الشجاعة صبر ساعة . فلم يلتفتوا إليه . ولما تحقق الغوري أن الكسرة عليه نزل عليه خلط فالج أرخى حنكه ، فطلب ماء فأتوا به فشرب قليلا وألفت فرسه ليهرب فسقط على الأرض وطلع الدم من فمه . فأمر الأمير علان عبدا من عبيده أن يقطع رأسه ويرميه في الجب خوفا من أن يظفر به السلطان سليم فيمثّل به في البلاد . ففعل العبد ما أمره به الأمير علان .
وقيل إن الغوري لما شعر بنزول الخطب مات فجأة فمرّ به بعض عسكر السلطان سليم فحز رأسه وأحضره إلى السلطان فأمر بقطع رأس هذا العسكري وقال له : ليس لك أن تدخل بين الملوك .
وعلى كل حال فلم يعلم للغوري خبر ولم يوقف له على أثر . ولما شاع خبر موت الغوري زحف عسكر السلطان سليم على من كان حول الغوري وقتلوا عدة أمراء من الجراكسة وغيرهم ، وفقد المصحف العثماني ونهب عسكر الغوري وجلس السلطان سليم في مخيم الغوري وأخذ جميع ما فيه ، وكان شيئا يفوق العدّ والإحصاء من الذهب والفضة والملبوس وغير ذلك ، وهو كالقطرة من بحر بالنسبة لما أبقاه الغوري وأمراؤه عند أهل حلب . ثم إن السلطان سليمان بقي ليلة في مرج دابق وذهب أكثر عسكر الغوري قاصدين حلب فمنعهم أهلها لما قاسوه منهم عند مجيئهم .
وأما خاير بك فإنه دخل حلب وزيّن لمحمد بن الغوري - وكان أبقاه أبوه على خزائنه بقلعة حلب - أن يسافر بالعسكر إلى مصر ويتبوأ موضع أبيه ووعده المساعدة على ذلك . وكان هذا من خاير بك تمام المكيدة ليأخذ حلب إلى السلطان سليم بغير حرب .
فصدقه محمد بن الغوري وتوجه بالعسكر قاصدين مصر ، وسار معه خاير بك . فلما وصلوا حماة بقي بها خاير بك وفارق محمد بن الغوري معتذرا له . وأما السلطان سليم
نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 197
مساهمون: محمود فاخوري
ص١٩٧