ننظر إلى حلب والنار تضرب في أرجائها . وبعد ثلاثة أيام لم يبق من التتر أحد ونزلنا إلى بيوتنا بالمدينة فاستوحشنا منها ولم يقدر أحد منا على الإقامة ببيته من النّتن والوحشة ، ولم يمكن السلوك في الأزقة من ذلك ، كما قال :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا * أنيس ، ولم يسمر بمكة سامر « 1 »
قال أبو ذر في تاريخه : وأما الجامع الكبير فكانت القتلى فيه من الباب الشرقي إلى البركة ، وصار الناس يمشون على القتلى إلى بعد ذهاب هذه المحنة فدفنوا بالحجازية « 2 » من الجامع .
قال ابن خطيب الناصرية في تاريخه : وقال الشعراء في هذه الحادثة المدلهمة عدة قصائد ، فمن ذلك ما قاله بعض أهل الأدب :
يا عين جودي بدمع منك منسكب * طول الزمان على ما حلّ في حلب
من العدوّ الذي قد أمّ ساحتها * ناح الغراب على ذاك الحمى الخرب
ويلاه ويلاه يا شهبا عليك وقد * كسوتني ثوب حزن غير منسلب
من بعد ذاك العلا والعزّ قد حكمت * بالذل فيك يد الأغيار والنّوب
وحين جاء قضاء اللّه ما دفعت * عنك الجيوش ولا الشجعان بالقضب
وأصبح المغل حكّاما عليك ولم * يرعوا لجارك ذي القربى ولا الجنب
وفرقوا أهلك السادات وانتشروا * في كلّ قطر من الأقطار بالهرب
وبدّلوا من لباس اللين ذا خشن * نعم ، ومن راحة الأبدان بالتعب
وكلّ ما كان من مال لديك غدا * في قبضة المغل بعد الورق والذهب
وخرّبوا ربعك المعمور حين غدوا * يسعون في كل نحو منك بالنكب
وخرّقوا من بيوت اللّه معظمها * وحرّقوا ما بها من أشرف الكتب
كذا بلادك أمست وهي خالية * وأصبحت أهلها بالخوف والرعب
لكن مصيبتك الكبرى التي عظمت * سبي الحريم ذوات الستر والحجب
من كل آنسة لا شمس تنظرها * ولا يراها سوى أم لها وأب
يأتي إليها عدوّ الدين يفضحها * ويجتليها على لاه ومرتقب
هامش
( 1 ) البيت للحارث بن مضاض الجرهميّ .
( 2 ) غرفة واسعة ملحقة بالجامع .