فقل أرقصت منها البحيرة متنها * كما يرقص المولود من كان لاهيا
أرتنا طباع الجود وهي وليدة * ولم ترض في الإحسان إلّا تغاليا « 1 »
سقت ثغر زهر الروض عذب برودها * وقامت لكي تهدي إلى الدهر ساقيا « 2 »
كأن قد رأت نهر المجرّة ناضبا * فقامت بأن تجري إليه السواقيا « 3 »
وقامت بنات الدّوح فيه مواثلا * فرادى ويتلو بعضهنّ مثانيا « 4 »
رواضع في حجر الغرام ترعرعت * وشبّت ، فشبّت حبّها في فؤاديا « 5 »
بها كلّ ملتفّ الغدائر مسبل * تجيل به أيدي النسيم مداريا « 6 »
وأشرف جيد الغصن فيها معطّلا * فقلّدت النّوّار منه التراقيا
إذا ما تحلّت درّ زهر غروسه * يبيت لها النّمّام بالطيب واشيا
مصارفة النقدين فيها بمثلها * أجاز بها النقدين منها كما هيا
فإن ملأت كفّ النسيم بمثلها * دراهم نور ظلّ عنها مكافيا
فيملأ حجر الروض حول غصونها * دنانير شمس تترك الروض حاليا
تعوّد في أفنانها الطير كلّما * تجسّ به أيدي القيان الملاهيا « 7 »
تراجعها سجعا فتحسب أنها * بأصواتها تملي عليها الأغانيا
فلم ندر روضا منه أنعم نضرة * وأعطر أرجاء ، وأحلى مجانيا
ولم نر قصرا منه أعلى مظاهرا * وأرفع آفاقا ، وأفسح ناديا
معاني من نفس الكمال انتقيتها * وزيّنت منها بالجمال المغانيا « 8 »
وفاتحت مبناه بعيد شرعته * تبثّ به في الخافقين التهانيا
ولمّا دعوت الناس نحو صنيعه * أجابوا لهم من جانب الغور داعيا
هامش
( 1 ) الجود : الكرم ، وتغاليا : زيادة .
( 2 ) البرود - بفتح الباء وضم الواو - البارد .
( 3 ) نضب الماء ينضب : غاض وغار ووقع في ب : « فراقت بأن تجري . . » .
( 4 ) بنات الدوح : أراد الحمام .
( 5 ) شبت ( الأولى ) : بمعنى كبرت وترعرعت . وشبت ( الثانية ) : بمعنى أوقدت .
( 6 ) المداري : جمع مدرى ، وهي المشط .
( 7 ) القيان : المغنيات .
( 8 ) المغاني : المنازل .