تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
ثم جاءت الحلبة التي كانت في مدة الملثّمين فظهرت لهم البدائع ، وفرسان حلبتهم : الأعمى التطيلي ، ثم يحيى بن بقي ، وللتطيلي من الموشحات المذهبة قوله :
كيف السبيل إلى * صبري وفي المعالم أشجان
والركب وسط الفلا * بالخرّد النواعم قد بانوا « 1 »

[ من اشتهر من الوشاحين ]

وذكر غير واحد من المشايخ أنّ أهل هذا الشأن بالأندلس يذكرون أنّ جماعة من الوشّاحين اجتمعوا في مجلس بإشبيلية ، وكان كلّ واحد منهم قد صنع موشحة وتأنّق فيها ، فتقدّم الأعمى التّطيلي للإنشاد ، فلمّا افتتح موشحته المشهورة بقوله :
ضاحك عن جمان * سافر عن بدر
ضاق عنه الزمان * وحواه صدري
خرّق ابن بقي موشحته ، وتبعه الباقون . وذكر الأعلم البطليوسي أنه سمع ابن زهر يقول : ما حسدت قطّ وشّاحا على قول إلّا ابن بقي حين وقع له :
أما ترى أحمد * في مجده العالي لا يلحق
أطلعه المغرب * فأرنا مثله يا مشرق
وكان في عصرهما من الوشّاحين المطبوعين أبو بكر الأبيض ، وكان في عصرهم أيضا الحكيم أبو بكر بن باجة صاحب التلاحين المعروفة . ومن الحكايات المشهورة أنه حضر مجلس مخدومه ابن تيفلويت صاحب سرقسطة ، فألقى عليه بعض موشحته : جرّر الذيل أيّما جرّ فطرب « 2 » الممدوح لذلك ، وختمها بقوله :
عقد اللّه راية النصر * لأمير العلا أبي بكر
فلمّا طرق ذلك التلحين سمع ابن تيفلويت صاح « وا طرباه » وشقّ ثيابه ، وقال : ما أحسن ما بدأت وما ختمت ، وحلف الأيمان المغلظة أن لا يمشي ابن باجة لداره إلّا على الذهب ، فخاف الحكيم سوء العاقبة ، فاحتال بأن جعل ذهبا في نعله ومشى عليه .
هامش
( 1 ) الفلا : جمع الفلاة : الصحراء الواسعة ، والعامة تقول : نام بالفلا ، أي في مكان غير مسقوف . والخرد : جمع الخريدة وهي اللؤلؤة المستخرجة قبل أن تثقب ، وأراد بها هنا : الفتاة العذراء تشبيها . وبانوا : فارقوا وبعدوا . ( 2 ) في ب « أيما جر ، وصل السكر منك بالسكر فطرب الممدوح . . » .