تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
منه جارية محتزمة كأظرف ما أنت راء ، بيمناها إضبارة فيها اسم ساعتها منظوما ، ويسراها موضوعة على فيها كالمبايعة بالخلافة ، والمسمع قائم ينشد أمداح سيد المرسلين وخاتم النبيين سيدنا ومولانا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم يؤتى آخر الليل بموائد كالهالات « 1 » دورا ، والرياض نورا ، وقد اشتملت من أنواع محاسن المطاعم على ألوان تشتهيها الأنفس وتستحسنها الأعين ، وتلذّ بسماع أسمائها الآذان ، ويشره مبصرها للقرب منها والتناول وإن كان ليس بغرثان « 2 » ، والسلطان لم يفارق مجلسه الذي ابتدأ جلوسه فيه ، وكل ذلك بمرأى منه ومسمع حتى يصلي هنالك صلاة الصبح . على هذا الأسلوب تمضي ليلة المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم في جميع أيام دولته ، أعلى اللّه تعالى مقامه في علّيّين ! وشكر له في ذلك صنيعه الجميل آمين ! وما من ليلة مولد مرّت في أيامه إلّا ونظم فيها قصيدا في مديح مولد المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم ، أول ما يبتدئ المسمع في ذلك الحفل العظيم بإنشاده ، ثم يتلوه إنشاد من رفع إلى مقامه العلي في تلك الليلة نظما ؛ انتهى وهو أتم مساقا ممّا في « راح الأرواح » .

[ مقطوعات لأبي زكريا يحيى بن خلدون ]

ولا بأس أن نلمّ ببعض المقطوعات التي أنشأها الكاتب أبو زكريا يحيى بن خلدون المذكور على لسان جارية المنجانة في مخاطبة السلطان أبي حمّو معلمة بما مرّ من ليل ، ففي مضي ساعتين قوله : [ الكامل ]
أخليفة الرحمن والملك الذي * تعنو لعزّ علاه أملاك البشر
للّه مجلسك الذي يحكي علا * بك مالكي أفق السماء لمن نظر
أو ما ترى فيه النجوم زواهرا * وجه الخليفة بينهنّ هو القمر
والليل منه ساعتان قد انقضت * تثني عليك ثنا الرياض على المطر
لا زال هذا الملك منصورا بكم * وبلغت ممّا ترتجي أسنى الوطر « 3 »
وقوله في مضي ثلاث ساعات : [ المتقارب ]
أمولاي يا ابن الملوك الألى * لهم في المعالي سنيّ الرّتب « 4 »
تولّت ثلاث من الليل أبقت * لك الفخر في عجمها والعرب
هامش
( 1 ) الهالات : جمع هالة وهي الدائرة حول القمر . ( 2 ) غرثان : جائع . ( 3 ) الوطر : الحاجة . ( 4 ) سني الرتب : رفيع المنزلة وعاليها .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 205 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي