تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
وقد علت الجميع أبهة الوقار والإجلال ، وبعقب ذلك يحتفل المسمعون بأمداح المصطفى عليه الصلاة والسلام ، ومكفّرات ترغّب في الإقلاع عن الأنام « 1 » ، يخرجون فيها من فنّ إلى فن ومن أسلوب إلى أسلوب ، ويأتون من ذلك بما تطرب له النفوس وترتاح إلى سماعه القلوب ، وبالقرب من السلطان رضوان اللّه تعالى عليه خزانة المنجانة « 2 » قد زخرفت كأنها حلّة يمانية ، لها أبواب موجفة « 3 » على عدد ساعات الليل الزمانية ، فمهما مضت ساعة وقع النّقر بقدر حسابها ، وفتح عند ذلك باب من أبوابها ، وبرزت منه جارية صوّرت في أحسن صورة ، في يدها اليمنى رقعة مشتملة على نظم فيه تلك الساعة باسمها مسطورة ، فتضعها بين يدي السلطان بلطافة ، ويسراها على فمها كالمؤدية بالمبايعة حقّ الخلافة ، هكذا حالهم إلى انبلاج عمود الصباح ، ونداء المنادي حيّ على الفلاح ؛ انتهى . وقال التنسي المذكور في كتابه المسمّى ب « نظم الدّرّ والعقيان ، في شرب بني زيّان ، وذكر ملوكهم الأعيان » ما نصّه : وكان السلطان أبو حمّو يقوم بحقّ ليلة مولد المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويحتفل لها بما هو فوق سائر المواسم ، يقيم مدعاة يحشر لها الأشراف والسوقة ، فما شئت من
وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ ( 15 ) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ
( 16 ) [ سورة الغاشية ، الآية : 15 ، 16 ] ، وشمع كالأسطوانات ، وأعيان الحضرة على مراتبهم تطوف عليهم ولدان قد لبسوا أقبية الخزّ الملوّن وبأيديهم مباخر ومرشاة ينال كل منها بحظّه ، وخزانة المنجانة ذات تماثيل لجين محكمة الصنعة ، بأعلاها أيكة تحمل طائرا فرخاه تحت جناحيه ، ويختله فيها أرقم خارج من كوّة بجذر الأيكة صاعدا ، وبصدرها أبواب مرتجة « 4 » بعدد ساعات الليل الزمانية ، يصاقب طرفيها بابان كبيران ، وفوق جميعها دوين رأس الخزانة قمر أكمل يسير على خطّ الاستواء سير نظيره في الفلك ، ويسامت « 5 » أول كل ساعة بابها المرتج ، فينقض من البابين الكبيرين عقابان في يد كلّ واحد منهما صنجة صفر يلقيها إلى طست من الصفر مجوّف بوسطه ثقب يفضي بها إلى داخل الخزانة فيرنّ ، وينهش الأرقم « 6 » أحد الفرخين ، فيصفر له أبوه ، فهناك يفتح باب الساعة الذاهبة ، وتبرز
هامش
( 1 ) في ب « عن الآثام » . ( 2 ) المنجانة : هي الساعة ، بلغة أهل المغرب . ( 3 ) موجفة : اسم مفعول من أوجف الباب : أغلقه . وموجفة : مغلقة . ( 4 ) أبواب مرتجة : مغلقة ، ومقفلة . ( 5 ) يسامت : في الأصل تقول : لزم السمت أي الطريق . ومن قولهم : « وهن على البيت العتيق سوامت » . أي قواصد . وهنا سامت يسامت : بمعنى يقابل ويوازي ، وهو من اصطلاح الفلكيين وعلم الخرائط أيضا . ( 6 ) الأرقم : الثعبان .