تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
الأعمال بالنيّات ، وها أنا أبتدىء وعلى اللّه الإعانة ، وبحوله وقوّته الإفصاح والإبانة . قلت : ينحصر الكلام فيه في سبعة أبواب ؛ الباب الأول : في جواز الإجارة فيها عند العلماء . الباب الثاني : في الشركة المستعملة بين أربابها . الباب الثالث : في محلّها من الورع إن سوّغها الفقه . الباب الرابع : في منزلتها من الصنائع والمهن . الباب الخامس : في أحوال منتحليها من حيث العلم غالبا . الباب السادس : في أحوالهم من جهة استقامة الرزق وانحرافه . الباب السابع : في ردّ بعض ما يحتجّ به فيها . انتهت الخطبة المقتطعة من تأليف لسان الدين رحمه اللّه تعالى . وهذا التأليف في نحو كراسة ، وقال في آخره ما صورته : فإن قيل : ترك الأجر وقبول العوض في هذا الأمر يدعو إلى تعطيله ، فيفقد الناس منفعة هذه الطريقة وغناءها « 1 » ، قلت : الإنصاف فيها اليوم أن لو كان متولّيها يرتزق من بيت المال وأموال المصالح والأوقاف التي تسع ذلك ، وحال الجماهير في فقدانها والاضطرار إليها ورفع أمورهم بها إلى السلطان ورغبتهم في نصب من يتولّى ذلك حالهم في فقدان أئمة الصلاة في المساجد الراتبة في جريانه من بيت المال بعلّة التزامهم وارتباطهم فقط ، حسبما نقل الإجماع فيه القاضي أبو بكر بن العربي رحمه اللّه تعالى ومنع الارتزاق من غيره إجماعا ، وقد كان بالمدن المعتبرة من بلاد الأندلس - جبرها اللّه تعالى ! - ناس من أولي التعفّف والتعين ، كبني الجدّ بإشبيلية ، وبني الخليل وغيرهم بغيرها ، يتعيّشون من فضول أملاكهم ، ووجائب رباعهم ، ويقعدون بدورهم عاكفين على برّ ، منتابين لرواية وفتيا ، يقصدهم الناس في الشهادة فيجاملونهم ، ويبركون على صفقاتهم ، ويهدونهم إلى سبيل الحقّ فيها من غير أجر ولا كلفة ، إلّا الحفظ على المناصب ، وما يجريه السلطان من الحرمة والتفقد في الضرورة ، وما يهديهم الناس من الإطراء والتجلة ، واللّه سبحانه من الأجر « 2 » والمثوبة ، وبلغني اليوم أنّ حالها بمدينة سجلماسة ينظر إلى هذا الحال من طرف خفي ، ولم يفسد بها كلّ الفساد ، وكذلك لم نزل نتعرّف أنّ الأمر في شأنها بمدينة تونس أقرب ، وبعض الشّرّ أهون من بعض ، ولو بقيت بحالها لوجب تقرير فضلها وتقريظ منتحلها ، فالصدق أنجى ، والحقّ عند اللّه أحجى ، واللّه عزّ وجلّ يستعملنا فيما يرضيه ، ويلطف بنا فيما يجريه علينا من أحكامه وما يقضيه ، ويجعلنا ممّن ختم له بالحسنى ، ويقربنا إلى ما هو أقرب من رحمته وأدنى ، وصلوات اللّه على سيدنا محمد وآله وصحبه ؛ انتهى .
هامش
( 1 ) غناءها - بفتح الغين - من قولهم : « لا يغني غناء فلان » أي لا ينفع مثل منفعته أحد ولا يقوم بمثل ما يقوم به أحد . ( 2 ) في ب « واللّه سبحانه ينيلهم من الأجر » .