أقتابه ، فحجّ واعتمر ، واستوطن تلك المعاهد وعمر ، وعكف على كتاب اللّه تعالى فجوّد الحروف ، وقرأ المعروف ، وقيّد وأسند ، وتكرّر إلى دور الحديث وتردّد ، وقدم على هذا الوطن قدوم النسيم البليل ، على كبد العليل ، ولمّا استقرّ به قراره ، واشتمل على جفنه غراره ، بادرت إلى مؤانسته ، وثابرت على مجالسته ، فاجتليت للسّرّ شخصا ، وطالعت ديوان الوفاء مستقصى . وشعره ليس بحائد عن الإحسان ، ولا غفل عن النكت الحسان » ؛ انتهى .
[ من إنشائه في ترجمة أبي عبد اللّه محمد بن عمر ، المليكشي ]
وقال في « الإكليل » في ترجمة أبي عبد اللّه محمد بن عمر بن علي بن إبراهيم المليكشي ما صورته : كاتب الخلافة ، ومشعشع الأدب الذي يزري بالسّلافة ، كان بطل مجال ، وربّ رويّة وارتجال ، قدم على هذه البلاد وقد نبا به وطنه ، وضاق ببعض الحوادث عطنه ، فتلوّم النسيم بين الخمائل ، وحلّ منها محلّ الطيف من الوشاح الجائل ، ولبث مدة إقامته تحت جراية واسعة ، وميرة يانعة ، ثم آثر قطره ، فولّى وجهه شطره ، واستقبله دهره بالإنابة ، وقلّده خطّة الكتابة ، فاستقامت حاله ، وحطّت رحاله ، وله شعر أنيق ، وتصوّف وتحقيق ، ورحلة إلى الحجاز سعيها في الخير وثيق ، ونسبها في الصالحات عريق ، ومن شعره قوله : [ الطويل ]
رضا نلت ما ترضين من كلّ ما يهوى * فلا توقفيني موقف الذلّ والشكوى « 1 »
وصفحا عن الجاني المسئ لنفسه * كفاه الذي يلقاه من شدّة البلوى « 2 »
بما بيننا من خلوة معنويّة * أرقّ من النجوى وأحلى من السلوى
قفي أتشكّى لوعة البين ساعة * ولا يك هذا آخر العهد بالنجوى
قفي ساعديني عرصة الدار وانظري * إلى عاشق ما يستفيق من البلوى « 3 »
وكم قد سألت الريح شوقا إليكم * فما حنّ مسراها عليّ ولا ألوى
فيا ريح ، حتى أنت ممّن يغار بي * ويا نجد ، حتى أنت تهوى الذي أهوى
خلقت ولي قلب جليد على النوى * ولكن على فقد الأحبّة لا يقوى
وحدّث بعض من عني بأخباره ، أيام مقامه بمالقة واستقراره ، أنه لقي بباب الملعب من أبوابها ظبية من ظبيات الإنس ، وقينة من قينات هذا الجنس ، فخطب وصالها ، واتقى بفؤاده
هامش
( 1 ) « رضا » مفعول مطلق بفعل محذوف . أي أرض رضا ، ومثله « صفحا » في البيت التالي و « نلت ما ترضين - الخ » جملة دعائية .
( 2 ) البلوى : المصيبة والامتحان .
( 3 ) عرصة الدار : ساحتها .