إجازته . وكان وصوله إلى مدينة فاس مصحوبا من البرّ والكرامة بما لا مزيد عليه في السادس من شهر محرّم فاتح عام أحد وستين وسبعمائة . وركب السلطان للقائه ، ونزل إليه عندما سلّم عليه ، وبالغ في الحفاية به ، وكنت قد ألحقت به مفلتا من شرك النكبة التي استأصلت المال ، وأو همت سوء الحال ، بشفاعة السلطان أبي سالم قدّس اللّه روحه . فقمت بين يديه في الحفل المشهود يومئذ وأنشدته « 1 » : [ الطويل ]
[ لسان الدين ينشد بين يدي سلطان فاس وقد التجأ هو وسلطانه إليه ]
سلا هل لديها من مخبّرة ذكر * وهل أعشب الوادي ونمّ به الزّهر
وهل باكر الوسميّ دارا على اللّوى * عفت آيها إلّا التّوهّم والذّكر « 2 »
بلادي التي عاطيت مشمولة الهوى * بأكنافها والعيش فينان مخضرّ
وجوّي الذي ربّى جناجي وكره * فها أنا ذا ما لي جناح ولا وكر
نبت بي لا عن جفوة وملالة * ولا نسخ الوصل الهنيء بها هجر
ولكنها الدنيا قليل متاعها * ولذاتها دأبا تزور وتزورّ
فمن لي بقرب العهد منها ودوننا * مدى طال حتى يومه عندنا شهر
وللّه عينا من رآنا وللأسى * ضرام له في كلّ جانحة جمر
وقد بدّدت درّ الدموع يد النوى * وللشوق أشجان يضيق لها الصدر « 3 »
بكينا على النهر الشّروب عشيّة * فعاد أجاجا بعدنا ذلك النهر « 4 »
أقول لأظعاني وقد غالها السّرى * وآنسها الحادي وأوحشها الزجر « 5 »
رويدك بعد العسر يسر أن أبشري * بإنجاز وعد اللّه ، قد ذهب العسر
وللّه فينا سرّ غيب ، وربما * أتى النفع من حال أريد بها الضّرّ
وإن تخن الأيام لم تخن النّهى * وإن يخذل الأقوام لم يخذل الصبر
وإن عركت مني الخطوب مجرّبا * نقابا تساوى عنده الحلو والمرّ
فقد عجمت عودا صليبا على الردى * وعزما كما تمضي المهنّدة البتر « 6 »
هامش
( 1 ) انظر هذه القصيدة في أزهار الرياض ج 1 ص 196 .
( 2 ) الوسمي : المطر أول الربيع ، وعفت : انمحت معالمها ودرست ، والآي : جمع آية : وهي العلامة .
( 3 ) الأشجان : الأحزان ، واحدها : الشجن .
( 4 ) الأجاح : المر المالح .
( 5 ) الأظعان : المرتحلون . والحادي : سائق الإبل .
( 6 ) المهندة : السيوف المصنوعة في الهند . والبتر : أراد جمع الباتر ، وهو القاطع .