ليبك عليّا فضل كلّ بلاغة * يخلّده في صفحة الطّرس راقمه
وشخص ضئيل الجسم يرهب نفثه * ليوث الشّرى في خيسها وضراغمه « 1 »
تكفّل بالرزق المقدّر للورى * إذا اللّه أعطى فهو في الناس قاسمه
يسدّده سهما وينضوه صارما * ويشرعه رمحا فكلّ يلائمه
إذا سال من شقّيه سائل حبره * بما شاء منه سائل فهو عالمه
ليبك عليه اليوم من كان باكيا * فتلك مغانيه خلت ومعالمه
تقلّد منه الملك عضب بلاغة * يقدّ السلوقيّ المضاعف صارمه
وقلّده مثنى الوزارة فاكتفى * بها ألمعيّ حازم الرأي عازمه
ففي يده وهو الزعيم بحقّها * براعته والمشرفيّ وخاتمه
سخيّ على العافين سهل قياده * أبيّ على العادين صعب شكائمه « 2 »
إذا ضلّت الآراء في ليل حادث * رآها برأي يصدع الخطب ناجمه
وقام بأمر الدين والملك حاميا * فذلّ معاديه وضلّ مراغمه
وقد كان نيط العلم والحلم والتّقى * به وهو ما نيطت عليه تمائمه « 3 »
ودوّخ أعناق الليالي بهمّة * يبيت ونجم الأفق فيها يزاحمه
وزاد على بعد المنال تواضعا * أبى اللّه إلّا أن تتمّ مكارمه
سقيت الغوادي ! أيّ علم وحكمة * ودين متين ذلك القبر كاتمه
وما زال يستسقى بدعوتك الحيا * وها هو يستسقى لقبرك ساجمه « 4 »
بكت فقدك الكتّاب إذ كان شملهم * يؤلّفه من دوح فضلك ناعمه
وطوّقتهم بالبرّ ثم سقيتهم * نداك فكنت الروض ناحت حمائمه
ويبكيك مني ذاهب الصبر موجع * توقّد في جنبيه للحزن جاحمه « 5 »
هامش
( 1 ) الليوث : الأسود ، والشرى : مكان تسكنه الآساد . والضراغم : جمع ضرغام ، وهو الأسد . والخيس - بكسر الخاء - مأوى الأسود .
( 2 ) شكائمة : عزائمه .
( 3 ) نيطت به : تعلقت به .
( 4 ) يستسقي : تطلب السقيا ، وهي الدعاء إلى اللّه تعالى أن ينزل المطر . والحيا : المطر ، وساجمه : اسم الفاعل من « سجمت السحابة الماء » أي أسالته .
( 5 ) جاحمه : ملتهبه متوقده .