تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
وفي عصركم من يهتدي إلى ما لم يهتدوا إليه ؟ فأهوى له شخص له قحة وإقدام ، فقال : يا أبا جعفر ، فأرنا برهان ذلك ، ما أظنك تعني إلّا نفسك ، فقال : نعم ، ولم لا ؟ وأنا الذي أقول ما لم يتنبّه « 1 » إليه متقدّم ، ولا يهتدي لمثله متأخّر : [ السريع ]
يا هل ترى أظرف من يومنا * قلّد جيد الأفق طوق العقيق
وأنطق الورق بعيدانها * مرقصة كلّ قضيب وريق
والشمس لا تشرب خمر الندى * في الأرض إلّا بكؤوس الشقيق
فلم ينصفوه في الاستحسان ، وردّوه في الغيظ إلى أضيق مكان ، فقلت له : يا سيدي ، هذا هو السحر الحلال ، فباللّه إلّا ما زدتني « 2 » من هذا النمط ، فقال : [ الوافر ]
أدرها فالسماء بدت عروسا * مضمّخة الملابس بالغوالي
وخدّ الروض حمّره أصيل * وجفن النهر كحّل بالظّلال
وجيد الغصن يشرق في لآل * تضيء بهنّ أكناف الليالي
فقلت : زد وعد ، فعاد والارتياح قد ملك عطفه ، والتّيه قد رفع أنفه ، فقال : [ السريع ]
للّه نهر عندما زرته * عاين طرفي منه سحرا حلال
إذ أصبح الطّلّ به ليلة * وجال فيه الغصن شبه الخيال « 3 »
فقلت : زد ، فأنشد : [ الوافر ]
ولمّا ماج بحر الليل بيني * وبينكم وقد جدّدت ذكرا
أراد لقاءكم إنسان عيني * فمدّ له المنام عليه جسرا
فقلت : إيه ، فقال : [ الوافر ]
ولمّا أن رأى إنسان عيني * بصحن الخدّ منه غريق ماء
أقام له العذار عليه جسرا * كما مدّ الظلام على الضياء
فقلت : أعد ، فأعاد ، وقال : حسبك لئلّا تكثر عليك المعاني ، فلا تقوم بحقّ قيمتها ، وأنشد : [ الكامل ]
هامش
( 1 ) في ه : « ما لم ينته إليه متقدم » . ( 2 ) في ه : « إلا ما زدتنا » . ( 3 ) في ه : « إذ صبح الظل به ليلة » .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 124 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي