تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
لأشغال الموحدين أبا العلاء « 1 » إدريس بن علي بن أبي العلاء بن جامع ، فاشتمل علي ، وأولاني من البر ما قيّدني وأمال قلبي إليه ، مع تأكيد ما بينه وبين ابن عمي من الصحبة ، فلم يزل ينهض بي ، ويرفع أمداحي للملك ، ويوصّل إليه رسائلي ، منبّها على ذلك ، مرشحا ، إلى أن قبض الملك على كاتب عسكره ، وكان يقرأ بين يديه كتب المظالم ، فاحتيج إلى من يخلفه في ذلك ، فنبه الوزير علي ، وارتهن فيّ ، مع أني كنت من كتّاب الملك ، فقلدني قراءة المظالم المذكورة ، وسفر لي الوزير عنده في دار الكاتب المؤخر ، فأنعم بها ، فوجد الوشاة مكانا متسعا للقول ، فقالوا وزوروا من الأقاويل المختلفة ما مال بها حيث مالوا ، وظهر منه مخايل التغيير ، فجعلت أداريه وأستعطفه ، فلم ينفع فيه قليل ولا كثير ، إلى أن سعى في تأخير والدي عن الكتب للأمير الأسعد أبي يحيى ابن ملك إفريقية ، ثم سعى في تأخيري ، فأخرت عن الكتابة وعن قراءة « 2 » المظالم ، فانفردت بالكتابة للوزير المذكور ، وفوض إليّ جميع أموره ، وأولاني من التأنيس ما أنساني تلك الوحشة ، ومن العز ما أنقذني من تلك الذلة . [ بحر الطويل ]
فرد عليّ العيش بعد ذهابه * وآنسني بعد انفرادي من الأهل
وقالوا « 3 » إذا ما الوبل فاتك فاقتنع * بما قد تسنّى عندك الآن من طلّ
« 4 »
وو اللّه ما نعماه طلّ وإنما * تأدّبه غيث يجود على الكل
رآني أظمأ في الهجيرة ضاحيا * فرق وآواني إلى الماء والظل
ولم أزل عنده في أسرّ حال ما لها تكدير إلا ما يبلغني من أن ابن عمي لا يزال يسعى في حقي بما أخشى مغبّته ، وخفت أن يطول ذلك ، فيسمع منه ، ولا ينفع دفاع الوزير المذكور عني ، فرغبت له في أن يرفع للملك أني راغب في السّراح إلى المشرق برسم الحج : [ بحر المتقارب ]
ومن بلّه الغيث في بطن واد * وبات فلا يأمننّ السيولا
فلم يسعفني في ذلك ، ولامني على تخوّفي ، وقلة ثقتي بحمايته ، فرفعت له هذه القصيدة : [ بحر الطويل ]
هل الهجر إلا أن يطول التجنّب * ويبعد من قد كان منه التقرّب
هامش
( 1 ) في ج : « أبا العلى » . ( 2 ) في ه : « وعن كتاب المظالم » . ( 3 ) في ب : « وقال » . ( 4 ) الوبل : المطر الغزير . والطلّ : المطر الخفيف وفي القرآن الكريمفَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ.
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 401 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي