تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
ودفن ابن مالك بسفح قاسيون ، بتربة القاضي عز الدين بن الصائغ ، وقال العجيسي : بتربة ابن جعوان . ورثاه الشيخ بهاء الدين بن النحاس بقوله : [ الكامل ]
قل لابن مالك ان جرت بك أدمعي * حمرا يحاكيها النّجيع القاني
« 1 »
فلقد جرحت القلب حين نعيت لي * وتدفّقت بدمائه أجفاني
لكن يهوّن ما أجنّ من الأسى * علمي بنقلته إلى رضوان
« 2 »
فسقى ضريحا ضمّه صوب الحيا * يهمي به بالرّوح والرّيحان
« 3 » وابن النحاس المذكور أحد تلامذة ابن مالك ، وهو القائل يخاطب رضي الدين الشاطبي الأندلسّي ، وقد كلفه أن يشتري له قطرا « 4 » : [ الخفيف ]
أيّها الأوحد الرّضيّ الّذي طا * ل علاء وطاب في النّاس نشرا
أنت بحر لا غرو إن نحن وافي * ناك زاجين من نداك القطرا
« 5 » وابن النحاس المذكور له نظم كثير مشهور بين الناس ، وهو : بهاء الدين أبو عبد اللّه محمد بن إبراهيم بن محمد بن نصر ، الحلبي الأصل ، المعروف بابن النحاس ، وهو شيخ أبي حيّان ، ولم يأخذ أبو حيّان عن ابن مالك وإن عاصره بنحو ثلاثين سنة . وقال بعض من عرّف بابن مالك : إنه تصدر بحلب مدة ، وأم بالسلطانية ، ثم تحول إلى دمشق ، وتكاثر عليه الطلبة ، وحاز قصب السبق ، وصار يضرب به المثل في دقائق النحو ، وغوامض الصرف ، وغريب اللغات ، وأشعار العرب ، مع الحفظ والذكاء والورع والديانة وحسن السّمت والصيانة والتحري لما ينقله والتحرير فيه ، وكان ذا عقل راجح ، حسن الأخلاق ، مهذبا ، ذا رزانة وحياء ووقار ، وانتصاب للإفادة ، وصبر على المطالعة الكثيرة ، تخرج به أئمة ذلك الزمان كابن المنجي وغيره ، وسارت بتصانيفه الركبان ، وخضع لها العلماء الأعيان ، وكان حريصا على العلم ، حتى إنه حفظ يوم موته ثمانية شواهد .
هامش
( 1 ) النجيع : الدم . والقاني : الأحمر . ( 2 ) أجنّ : أستر . ( 3 ) صوب الحيا : المطر الذي لا يؤذي . ( 4 ) القطر ، بسكر القاف وسكون الطاء : النحاس . ( 5 ) في ب : راجين .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 359 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي