تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
وقال رضي اللّه تعالى عنه في قول سمنون المحب : [ مخلع البسيط ]
وليس لي في سواك حظّ * فكيفما شئت فاختبرني
الأولى أن يقول : فكيفما شئت فاعف عني ، إذ طلب العفو أولى من طلب الاختبار . وقال رضي اللّه تعالى عنه : الزاهد جاء من الدنيا إلى الآخرة ، والعارف جاء من الآخرة إلى الدنيا . وقال رضي اللّه تعالى : العارف لا دنيا له ، لأن دنياه لآخرته ، وآخرته لربه . وقال : الزاهد غريب في الدنيا ، لأن الآخرة وطنه ، والعارف غريب في الآخرة . قال بعض العارفين : معنى الغربة في كلام الشيخ رضي اللّه تعالى عنه أن الزاهد يكشف له عن ملك الآخرة فتبقى الآخرة موطن قلبه ومعشّش روحه « 1 » ، فيكون غريبا في الدنيا ، إذ ليست وطنا لقلبه « 2 » ، عاين الآخرة فأخذ قلبه فيما عاين من ثوابها ونوالها ، وفيما شهد من عقوبتها ونكالها ، فتغرب في هذه الدار . وأما العارف فإنه غريب في الآخرة إذ كشف له عن صفات معروفة فأخذ قلبه فيما هناك ، فصار غريبا في الآخرة ، لأن سره مع اللّه تعالى بلا أين ، فهؤلاء العباد تصير الحضرة معشّش قلوبهم ، إليها يأوون ، وفيها يسكنون ، فإن تنزلوا إلى سماء الحقوق ، أو أرض الخصوص ، فبالإذن والتمكين ، والرسوخ في اليقين ، فلم ينزلوا إلى الخصوص لشهوة ، ولم يصعدوا إلى الحقوق بسوء الأدب والغفلة ، بل كانوا في ذلك كله بآداب اللّه تعالى وآداب رسله وأنبيائه متأدبين ، وبما اقتضى منهم مولاهم عاملين ، رضي اللّه تعالى عنهم ، ونفعنا بهم آمين ! . وكلام سيدي الشيخ أبي العباس رضي اللّه تعالى عنه بحر لا ساحل له ، وكراماته كذلك ، وليراجع كتاب تلميذه ابن عطاء اللّه ، فإن فيه من ذلك ما يشفي ويكفي ، وما بقي أكثر . ومن كراماته رضي اللّه تعالى عنه أنه عزم عليه إنسان وقدم إليه طعاما يختبره به ، فأعرض عنه ولم يأكله ، ثم التفت إلى صاحب الطعام وقال له : إن الحارث « 3 » المحاسبي رضي اللّه تعالى عنه كان في أصبعه عرق إذا مد يده إلى طعام فيه شبهة تحرك عليه ، وأنا في يدي سبعون عرقا تتحرك علي إذا كان مثل ذلك ، فاستغفر صاحب الطعام ، واعتذر إلى الشيخ ، رضي اللّه تعالى عنه ونفعنا به ! .

117 - ومنهم أبو إسحاق الساحلي ، المعروف بالطّويجن

- بضم الطاء المهملة ، وفتح
هامش
( 1 ) معشّش : اسم مكان من الفعل عشّش . ( 2 ) في ه : إذ ليست بوطن لقلبه . ( 3 ) الحارث المحاسبي : هو الحارث بن أسد المحاسبي الزاهد المشهور أبو عبد اللّه البغدادي صاحب التصانيف . مات سنة ثلاث وأربعين . ( تقريب التهذيب ج 1 ص 139 ) .