تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
وقال صاحب « درة الأسلاك » « 1 » في سنة 669 ، ما صورته « 2 » : وفيها توفي الشيخ قطب الدين أبو محمد عبد الحق بن سبعين المرسي ، صوفي متفلسف ، متزهد متقشف ، يتكلم على طريق أصحابه ، ويدخل البيت ولكن من غير أبوابه ، شاع أمره ، واشتهر ذكره ، وله تصانيف وأتباع ، وأقوال يميل إليها بعض القلوب وتملها بعض الأسماع ، وكانت وفاته بمكة المشرفة عن نحو خمسين سنة ، تغمده اللّه تعالى برحمته ! انتهى . وقال بعض الأعلام في حق ابن سبعين : إنه كان رحمه اللّه تعالى عزيز النفس ، قليل التصنع ، يتولى خدمة الكثير من الفقراء والسّفارة أصحاب العبادات « 3 » والدفافيس « 4 » بنفسه ، ويحفون به في السكك ، ولما توفرت دواعي النقد عليه من الفقهاء كثر عليه التأويل ، ووجهت لألفاظه المعاريض ، وفليت موضوعاته ، وتعاورته الوحشة ، وجرت بينه وبين الكثير من أعلام المشرق والمغرب خطوب يطول ذكر . ووقع في رسالة لبعض تلامذة ابن سبعين المذكور ، وأظن اسمه يحيى بن محمد « 5 » بن أحمد بن سليمان ، وسماها « بالوراثة المحمدية ، والفصول الذاتية » ما صورته : فإن قيل : ما الدليل على أن هذا الرجل الذي هو ابن سبعين هو الوارث المشار إليه ؟ قلنا : عدم النظير ، واحتياج الوقت إليه ، وظهور الكلمة المشار إليها عليه ، ونصيحته لأهل الملة ، ورحمته المطلقة للعالم المطلق ، ومحبته لأعدائه ، وقصده لراحتهم مع كونهم يقصدون أذاه ، وعفوه عنهم مع قدرته عليهم ، وجذبهم إلى الخير مع كونهم يطلبون هلاكه ، وهذه كلها من علامات الوراثة والتبعية المحضة التي لا يمكن أحدا أن يتصف بها إلا بمجد أزلي وتخصيص إلهي ، وها أنا أصف لك بعض ما خصه اللّه سبحانه وتعالى به من الأمور التي هي خارقة للعادة ، ونلغي عن الأمور الخفية التي لا نعلمها ، ونقصد الأمور الظاهرة التي نعلمها ، والتي لا يمكن أحدا أن يستريب « 6 » فيها إلا من أصمه اللّه تعالى وأعماه ، ولا يجحدها إلا حسود قد أتعب اللّه تعالى قلبه وأنساه رشده ، ونعوذ بالله ممن عاند من اللّه تعالى مساعده ومؤيده ، وهو معه بنصره وعونه ، فما أتعب معانده ، وما أسعد موادده ، وما أكبت مرادده ، فنبدأ بذكر ما وعدنا ، فنقول :
هامش
( 1 ) درة الأسلاك في دولة الأتراك لمحمد بن حبيب الحلبي ( انظر كشف الظنون ج 1 ص 737 ) . ( 2 ) في ب : العباءات . ( 3 ) كثر التصحيف في هذه الكلمة فجاءت تارة الدفافيس ، وتارة الدنافيس ، وتارة الدقاقيس . لعل الدفافيس نوع من الثياب الخشنة ، ولا يمكن الجزم فيها . ( 4 ) في ب ، ه : يحيى بن أحمد بن سليمان . ( 5 ) في ه : « يتريب » . وما أثبتناه في ب ، ج وهو أدق . ويستريب : يقع في الشك ، أو يرى ما يريبه . ( 6 ) في ب ، ه : أول ما ذكر في شرفه .