تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
وهو إمام ، ورع ، صالح ، زاهد ، كان بقية السلف ، وقدوة الخلف ، وقد زهد في الدنيا وتخلى عنها ، وأقام في تفسير الفاتحة نحوا من ستة أشهر يلقي في التعليل قوانين تتنزل في علم التفسير منزلة أصول الفقه من الأحكام ، حتى من اللّه تعالى ببركات ومواهب لا تحصى ، وعلى أحكام تلك القوانين وضع كتابه « مفتاح اللب المقفل ، على فهم القرآن المنزل » وهو ممن جمع العلم والعمل ، وصنف في كثير من الفنون كالأصول والمنطق والطبيعيات والإلهيات ، وكان يقرئ « النجاة » لابن سينا فينقضه عروة عروة ، وكان من أعلم الناس بمذهب مالك ، ولما ظن فقهاء عصره أنه لا يحسن المذهب لاشتغاله بالمعقولات قرأ « التهذيب » « 1 » وأبدى فيه الغرائب ، وبين مخالفته للمدونة في بعض المواضع ، ووقع بينه وبين الشيخ عز الدين بن عبد السلام شيء ، وطلب عز الدين أن يقف على تفسيره ، فلما وقف عليه قال . أين قول مجاهد ؟ أي قول فلان وفلان ؟ وكثر القول في هذا المعنى ، ثم قال : يخرج من بلادنا إلى وطنه ، يعني الشام ، فلما بلغ كلامه الشيخ قال : هو يخرج وأقيم أنا ، فكان كذلك ، وله عدة مؤلفات في الفنون ، وقال رحمه اللّه تعالى : أقمت ملازما لمجاهدة النفس سبعة أعوام ، حتى استوى عندي من يعطيني دينارا ومن يزدريني ، وأصبح - رحمه اللّه تعالى ! - ذات يوم ولا شيء لأهله يقيمون به أودهم ، وكانت أم ولده جارية تسمى كريمة ، وكانت سيئة الخلق ، فاشتدّت عليه في الطلب ، وقالت له : إن الأصاغر لا شيء لهم ، فقال لها « 2 » ؛ الآن يأتي من قبل الوكيل ما نتقوّت به ، فبينما هم كذلك وإذا بالحمّال يضرب الباب ومعه قمح ، فقال لها : يا كريمة ، ما أعجلك ! هذا الوكيل بعث بالقمح ، فقالت : ومن يصنعه ؟ فأمر فتصدق به ، ثم قال لها : يأتيك ما هو أحسن منه ، فانتظرت يسيرا ، وبدا لها فتكلمت بما لا يليق ، فبينما هم كذلك ، وإذا بحمال سميذ ، فقال لها : هذا السميذ أيسر وأسهل من القمح ، فلم يقنعها ذلك ، فأمر أيضا بصدقته ، فلما تصدق به زادت في المقال ، وإذا برجل على رأسه طعام ، فقال لها : يا كريمة ، قد كفيت المؤنة ، هذا الوكيل قد لطف بحالك « 3 » . ومن كراماته أن بعض طلبته اجتمعوا في نزهة ، وأخذوا حليا من زينة النساء ، فزينوا به بعض أصحابهم ، فلما انقضى ذلك واجتمعوا بمجلس الشيخ صار الذي كان في يده الحلي يتحدث ويشير بيده ، فقال الشيخ : يد يجعل فيها الحلي لا يشار بها في الميعاد . ومنها أنه أصاب الناس جدب ببجاية ، فأرسل إلى داره من يسوق ماء إلى الفقراء ، فامتنعت كريمة ، ونهرت رسله ، فسمع كلامها ، فقال للرسول : قل لها يا كريمة ، واللّه لأشربنّ
هامش
( 1 ) في ب ، ه : أقرأ التهذيب . ( 2 ) لها : غير موجودة في ب . ( 3 ) في ب ، ه : قد علم بحالك .