تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
وينساب فيه انسياب الأيم في الطلول « 1 » ، وضفّاته بالأدواح محفوفة ، والمجلس يروق كالخريدة المزفوفة ، وفيه يقول علي بن أحمد أحد شعرائها ، وقد حله مع طائفة من وزرائها : [ المنسرح ]
قم فاسقني والرّياض لابسة * وشيا من النّور حاكه القطر
« 2 »
في مجلس كالسّماء لاح به * من وجه من قد هويته بدر
والشّمس قد عصفرت غلائلها * والأرض تندى ثيابها الخضر
والنّهر مثل المجرّ حفّ به * من النّدامى كواكب زهر
فحللت ذلك المجلس وفيه أخدان ، كأنهم الولدان ، وهم في عيش لدن « 3 » ، كأنهم في جنة عدن ، فأنخت لديهم ركائبي وعقلتها ، وتقلدت بهم رغائبي واعتقلتها ، وأقمنا نتنعم بحسنه طول ذلك اليوم ، ووافى الليل فذدنا عن الجفون طروق النوم ، وظللنا بليلة كأن الصبح منها مقدود ، والأغصان تميس كأنها قدود ، والمجرة تتراءى نهرا ، والكواكب تخالها في الجو زهرا ، والثريا كأنها راحة تشير ، وعطارد لنا بالطرب بشير ، فلما كان من الغد وافيت الرئيس أبا عبد الرحمن زائرا ، فأفضنا في الحديث إلى أن أفضى بنا إلى ذكر منتزهنا بالأمس ، وما لقينا فيه من الأنس ، فقال لي : ما بهجة موضع قد بان قطينه وذهب ، وسلب الزمان بهجته وانتهب ، وباد فلم يبق إلا رسمه ، ومحاه الحدثان فما كاد يلوح رسمه « 4 » ، عهدي به عندما فرغ من تشييده ، وتنوهي في تنسيقه وتنضيده ، وقد استدعاني إليه المنصور في وقت « 5 » حلت فيه الشمس برج شرفها ، واكتسب فيه « 6 » الأرض بزخرفها ، فحللت به والدوح تميس معاطفه ، والنّور يخجله قاطفه ، والمدام تطلع به وتغرب ، وقد حل فيه « 7 » قحطان ويعرب ، وبين يدي المنصور مائة غلام ما يزيد أحدهم على العشر غير أربع ، ولا يحل غير الفؤاد من مربع ، وهم يديرون رحيقا ، خلتها في كأسها درّا أو عقيقا ، فأقمنا والشهب تغازلنا ، وكأن الأفلاك منازلنا ، ووهب المنصور في ذلك اليوم ما يزيد على عشرين ألفا من صلات متصلات ، وأقطع ضياعا ثم توجع لذلك العهد ، وأفصح بما بين ضلوعه من الوجد ، وقال : [ الكامل ]
سقيا لمنزلة اللّوى وكثيبها * إذ لا أرى زمنا كأزماني بها

[ كتاب من الفتح إلى بعض الملوك يصف متنزها ]

وما أحسن ما كتب به الفتح إلى بعض الملوك يصف نزهة ببعض منتزهات الأندلس المونقة ، ويذكر استضاءته فيها بشموس المسرة المشرقة ، وهو :
هامش
( 1 ) الأيم : الحية الذكر ، جمع أيوم . ( 2 ) في ب ، ه : قم سقّني . ( 3 ) الأخدان : الأصدقاء ، واللدان : ناعم ، لين . ( 4 ) في ب : وسمه . ( 5 ) في ب ، ه : في يوم . ( 6 ) في ب : واكتست الأرض . ( 7 ) في ب : وقد حل به .