البياض ، يخترقه جدول كالحية النّضناض ، به جابية ، كل لجة بها « 1 » كابية ، قد قربصت بالذهب واللازورد سماؤه ، وتأزّرت بهما جوانبه وأرجاؤه ، والروض قد اعتدلت أسطاره ، وابتسمت من كمائمها أزهاره ، ومنع الشمس أن ترمق ثراه ، وتعطّر النسيم بهبوبه عليه ومسراه ، شهدت به « 2 » ليالي وأيّاما كأنما تصورت من لمحات الأحباب ، أو قدّت من صفحات أيام الشباب ، وكانت لأبي عامر بن شهيد به فرج وراحات ، أعطاه فيها الدهر ما شاء ، ووالى عليه الصحو والانتشاء ، وكان هو وصاحب الروض المدفون بإزائه أليفي صبوة ، وحليفي نشوة ، عكفا فيه على جريالها « 3 » ، وتصرفا بين زهوهما واختيالهما ، حتى ردّاهما الردى ، وعداهما الحمام عن ذلك المدى ، فتجاورا في الممات ، تجاورهما في الحياة ، وتقلصت عنهما وارفات تلك الفيات « 4 » ، وإلى ذلك العهد أشار ابن شهيد وبه عرّض ، وبشوقه صحح وما مرض ، حيث يقول عند موته يخاطب أبا مروان صاحبه وأمر أن يدفن بإزائه ويكتب على قبره : [ البسيط ]
يا صاحبي قم فقد أطلنا * أنحن طول المدى هجود ؟
« 5 »
فقال لي : لن نقوم منها * ما دام من فوقنا الصّعيد
تذكر كم ليلة نعمنا * في ظلّها والزّمان عيد
وكم سرورا همى علينا * سحابه ثرّة تجود ؟
« 6 »
فخيره مسرعا تقضّى * وشؤمه حاضر عتيد
« 7 »
حصّله كاتب حفيظ * وضمّه صادق شهيد
يا ويلنا إن تنكّبتنا * رحمة من بطشه شديد
يا ربّ عفوا فأنت مولى * قصّر في أمرك العبيد
انتهى .
ثم قال بعد كلام : وركب أبو الحسن بن القبطرنة إلى سوق الدواب بقرطبة ومعه أبو الحسين بن سراج ، فنظر إلى أبي الحكم بن حزم غلاما كما عقّ تمائمه « 8 » ، وهو يروق كأنه
هامش
( 1 ) النضناض : الحية التي لا تستقر مكانها . والجابية : الحوض الضخم يجمع فيه الماء .
( 2 ) في ب : شهدت له .
( 3 ) الجريال : الخمر .
( 4 ) في ب : الفيئات .
( 5 ) ديوان ابن شهيد ص 153 .
( 6 ) في ب : كم سرور .
( 7 ) في ب : كلّ كأن لم يكن تقضى .
( 8 ) عق تمائمه : أي جاوز حد الطفولة .