تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
يحني الضّلوع على مثل اللّظى حرقا * والوجه غمر بماء البشر ريّان
« 1 » وهو مأخوذ من قول الرضي : [ الكامل ]
ما إن رأيت كمعشر صبروا * عزّا على الأزلات والأزم
بسطوا الوجوه وبين أضلعهم * حرّ الجوى ومآلم الكلم
وله أيضا : [ البسيط ]
كلفت بالحبّ حتّى لو دنا أجلي * لما وجدت لطعم الموت من ألم
كلا النّدى والهوى قدما ولعت به * ويلي من الحبّ أو ويلي من الكرم
وأخبرني الوزير أبو الحسين « 2 » بن سراج - وهو بمنزل ابن شهيد - وكان من البلاغة في مدى غاية البيان ، ومن الفصاحة في أعلى مراتب التبيان ، وكنا نحضر مجلس شرابه ، ولا نغيب عن بابه ، وكان له بباب الصّومعة من الجامع موضع لا يفارقه أكثر نهاره ، ولا يخليه من نثر درره وأزهاره ، فقعد في ليلة 27 من رمضان في لمة من إخوانه « 3 » ، وأئمة سلوانه ، وقد حفّوا به ليقطفوا نخب أدبه ، وهو يخلط لهم الجدّ بهزل ، ولا يفرط في انبساط مشتهر ولا انقباض جزل ، وإذا بجارية من أعيان أهل قرطبة معها من جواريها ، من يسترها ويواريها ، وهي ترتاد موضعا لمناجاة ربها ، وتبتغي منزلا لاستغفار ذنبها ، وهي متنقبة ، خائفة ممن يرقبها مترقبة ، وأمامها طفل لها كأنه غصن آس ، أو ظبي يمرح في كناس ، فلما وقعت عينها على أبي عامر ولّت سريعة ، وتولت مروعة ، خيفة أن يشبب بها « 4 » ، أو يشهرها باسمها ، فلما نظرها قال قولا فضحها به وشهرها « 5 » : [ المتقارب ]
وناظرة تحت طيّ القناع * دعاها إلى اللّه بالخير داعي
سعت خفية تبتغي منزلا * لوصل التبتّل والانقطاع
فجاءت تهادى كمثل الرّؤوم * تراعي غزالا بروض اليفاع
وجالت بموضعنا جولة * فحلّ الرّبيع بتلك البقاع
أتتنا تبختر في مشيها * فحلّت بواد كثير السّباع
وريعت حذارا على طفلها * فناديت يا هذه لا تراعي
هامش
( 1 ) اللظى : لهب النار . ( 2 ) ديوان الرضي : ج 2 ص 422 . ( 3 ) اللمة : الجماعة . ( 4 ) يشبب بها : يتغزل . ( 5 ) ديوان ابن شهيد ص 94 .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 128 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي