وجيرة كان لي إلف بوصلهم * والأنس أفضل ما بالوصل يغتنم
بالشام خلّفتهم ثم انصرفت إلى * سواهم فاعتراني بعدهم ألم
كانوا نعيم فؤادي والحياة له * والآن كلّ وجود بعدهم عدم
فإن أنشد لسان الحال فيما اقتضاه معنى البعد عنها والارتحال : [ الكامل ]
يا غائبا قد كنت أحسب قلبه * بسوى دمشق وأهلها لا يعلق
إن كان صدّك نيل مصر عنهم * لا غرو فهو لنا العدوّ الأزرق
أتيت في جوابه ، بقول بعض من برّح الجوى به : [ البسيط ]
للّه دهر جمعنا شمل لذته * بالشام أعذب من أمن على فرق « 1 »
مرّت لياليه والأيام في خلس * كأنّما سلبته كفّ مسترق « 2 »
ما كان أحسنها لولا تنقّلها * من النعيم إلى ذاك من الحرق
رقّ العذول لحالي بعدها ورثى * لي في الجوى والنّوى والشجو والأرق
وبالجملة فتلك الأيام من مواسم العمر محسوبة ، والسعود إلى طوالعها منسوبة : [ الوافر ]
وكانت في دمشق لنا ليال * سرقناهنّ من ريب الزمان
جعلناهنّ تاريخ الليالي * وعنوان المسرّة والأماني
وهي مغاني « 3 » التهاني التي ما نسيناها ، وأماني زماني التي نعمت بطور سيناها ، عليها وعلى وطني مقصورة ، والقلب في المعنى مقيم بهما وإن كان في غيرهما بالصورة ، والأشواق إليهما قضاياها موجّهة وإن كانت غير محصورة : [ الطويل ]
وللّه عهد قد تقضّى وإن « 4 » يعد * فإني عن الأيام أعفو وأصفح
بقلبي من ذكراه ما ليس ينقضي * ومن برحاء الشوق ما ليس يبرح « 5 »
إذا مسحت كفّي الدموع تستّرا * بدت زفرة بين الجوانح تقدح
هامش
( 1 ) الفرق : الخوف .
( 2 ) خلس : جمع خلسة - بضم الخاء فيهما - وهي الفرصة ، ويقولون : هذه خلسة فانتهزها .
( 3 ) المغاني : جمع مغنى ، وهو المنزل .
( 4 ) في ب : فإن .
( 5 ) برحاء الشوق : شدته .