تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
معانيه الرياض ، لأجل هذا * سرت ألفاظه مثل النسيم
ومباهيه النجوم ، ومضاهيه الغيث السّجوم ، إلى آباء يحسدهم القمر « 1 » والشمس ، وإباء لو كان للمشرفيّ لما تحيّفه لمس « 2 » ، وشرف لا مدّعى ولا منتحل ، وهمّة لو نالها البدر لاستخذى له زحل ، وبراعة أرهفت سنان قلمه ، ويراعة سارت أمراؤها تحت علمه ، فكم فتح بفكره أقفالها ، ووسم بذهنه الثاقب أغفالها ، وسبك معانيها في قالب قلبه إبريزا ورقم بيان لسانه برود إحسانه بلفظه البديع تطريزا ، فرفع في ميدان الإجادة لواؤه ، وأتيح من أنهار البراعة العذبة إرواؤه ، ونال سبقا وتبريزا : [ الوافر ]
وما زمن الشّباب وأنت تجري * مع الأحباب في لهو وطيب
ووصل من حبيب بعد هجر * بأحلى من كلام ابن الخطيب
فقصائده أرخصت جواهر البحور ، المنظومة في قلائد اللّبّات والنحور ، من حسان العقائل الحور : [ الطويل ]
معان وألفاظ تنظّم منهما * عقود لآل في نحور الشمائل
وزهر كلام كالحدائق نسجه * غنينا به عن حسن زهر الخمائل
وكلماته غدت للإبداع إقليدا « 3 » ، وجمعت طريفا من البلاغة وتليدا : [ المتقارب ]
كسون عبيدا ثياب العبيد * وأضحى لبيد لديها بليدا « 4 »
ومقطّعاته ألذّ في الأسماع ، من مطرب السماع ، وأبهى في الأحداق والنواظر ، من الحدائق ذوات الأغصان الملد النّواضر ، يعترف بفضلها من انتحل الإنصاف دينا ، وانتخل الأوصاف فاختار العدل منها خدينا : [ الوافر ]
رقيقات المقاطع محكمات * لو أن الشّعر يلبس لارتدينا
ورسائله كنقط العروس اللائحة في البياض ، أو كوشي الربيع أو قطع الرياض ، برزت أغصانها الحالية وتبرّجت ، وتضوّعت أفنانها العالية وتأرّجت ، وقد ألبسها القطر زهرا ، وفجّر خلالها نهرا ، فأخذت زخرفها وازّيّنت ، ولاحت محاسنها غير محتجبة وتبيّنت ، فبهرت من لها قابل ، أستغفر اللّه لا بل : [ البسيط ]
هامش
( 1 ) في ب : البدر . ( 2 ) المشرفيّ : السيف ، نسب إلى مشارف اليمن ، وتحيّفه : نقصه وجار عليه . ( 3 ) الإقليد : المفتاح . ( 4 ) عبيد : هو عبيد بن الأبرص ، ولبيد هو لبيد بن أبي ربيعة ، وهما شاعران من فحول شعراء الجاهلية .