تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
وبنيه « 1 » على الدولة إليهم ، فسخطتهم القلوب ، وخزرتهم العيون ، ولولا ما لهم من العصبية لاستأصلهم الناس ، ولغطت ألسنة الدهماء من أهل المدينة بكراهتهم . وأمر المهدي أن لا يركبوا ولا يتسلّحوا ، وردّ بعض رؤسائهم في بعض الأيام من باب القصر ، فانتهبت العامّة دورهم ، وشكا بعضهم إلى المهدي ما أصابهم ، فاعتذر إليهم وقتل من اتّهم من العامّة في أمرهم ، وهو مع ذلك مظهر لبغضهم ، مجاهر بسوء الثناء عليهم . وبلغهم أنّه يريد الفتك بهم ، فتمشّت رجالاتهم ، وأسرّوا نجواهم ، واشتوروا في تقديم هشام بن سليمان ابن أمير المؤمنين الناصر ، وفشا في الخاصّة حديثهم ، فعوجلوا عن مرامهم ذلك ، وأغرى بهم السواد الأعظم ، فثاروا بهم ، وأزعجوهم عن المدينة . وتقبض على هشام وأخيه أبي بكر ، وأحضرا بين يدي المهدي ، فضرب أعناقهما . ولحق سليمان ابن أخيهما الحكم بجنود البربر ، وقد اجتمعوا بظاهر قرطبة وتوامروا ، فبايعوه ولقّبوه المستعين بالله ، ونهضوا به إلى ثغر طليطلة ، فاستجاش بابن أذفونش « 2 » ، ثم نهض في جموع البرابرة والنصرانية إلى قرطبة ، وبرز إليه المهدي في كافّة أهل البلد وخاصّة الدولة ، فكانت الدائرة عليهم ، واستلحم منهم ما يزيد على عشرين ألفا ، وهلك من خيار الناس وأئمّة المساجد وسدنتها ومؤذّنيها عالم . ودخل المستعين قرطبة ختام المائة الرابعة . ولحق المهديّ بطليطلة . واستجاش بابن أذفونش ثانية ، فنهض معه إلى قرطبة ، وهزم المستعين والبرابرة بعقبة البقر من ظاهر قرطبة ، ودخل قرطبة - أعني المهدي - وملكها . وخرج المستعين مع البربر ، وتفرّقوا في البسائط ينهبون ولا يبقون على أحد . ثم ارتحلوا إلى الجزيرة الخضراء ، فخرج المهديّ ومعه ابن أذفونش « 3 » لاتّباعهم ، فكرّوا عليهم ، فانهزم المهدي وابن أذفونش ومن معه من المسلمين والنصارى ، واتّبعهم المستعين إلى قرطبة ، فأخرج المهدي هشاما المؤيّد للناس ، وبايع له ، وقام بأمر حجابته ، ظنّا منه أنّ ذلك ينفعه ، وهيهات ! وحاصرهم المستعين والبربر ، فخشي أهل قرطبة من اقتحامهم عليهم ، فأغروا أهل القصر وحاشية المؤيد بالمهديّ وأنّ الفتنة إنّما جاءت من قبله ، وتولّى كبر ذلك واضح العامري ، فقتلوا المهدي ، واجتمع الكافّة على المؤيّد ، وقام واضح بحجابته . واستمرّ الحصار ، ولم يغن عن أهل قرطبة ما فعلوه شيئا ، إلى أن هلكت القرى والبسائط بقرطبة ، وعدمت المرافق ، وجهدهم الحصار . وبعث المستعين إلى أهل ابن أذفونش يستقدمهم لمظاهرته « 4 » ، فبعث إليهم هشام وحاجبه واضح يكفّونهم عن ذلك ، بأن ينزلوا لهم عن ثغور قشتالة التي كان المنصور
هامش
( 1 ) في أ : المنصور وغيره . ( 2 ) خزره : نظر إليه بلحظ عينه . ( 3 ) استجاش بابن أذفونش : طلب منه جيشا . ( 4 ) يستقدمهم لمظاهرته : يطلب منهم القدوم لمساعدته .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 331 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي