والعقد ، فكان يوما مشهودا ، فكتب عهده من إنشاء أبي حفص بن برد بما نصّه : « هذا ما عهد به هشام المؤيد بالله أمير المؤمنين إلى الناس عامّة ، وعاهد اللّه عليه من نفسه خاصّة ، وأعطى به صفقة يمينه « 1 » بيعة تامّة ، بعد أن أمعن النظر وأطال الاستخارة ، وأهمّه ما جعل اللّه إليه من الإمامة ، وعصب « 2 » به من أمر المؤمنين ، واتقى حلول القدر بما لا يؤمن ، وخاف نزول القضاء بما لا يصرف ، وخشي إن هجم محتوم ذلك عليه ونزل مقدوره به ولم يرفع لهذه الأمة علما تأوي إليه ، وملجأ تنعطف عليه ، أن يكون يلقى ربّه تبارك وتعالى مفرّطا ساهيا عن أداء الحق إليها ، ونقص « 3 » عند ذلك من إحياء قريش وغيرها من يستحقّ أن يسند هذا الأمر إليه ، ويعوّل في القيام به عليه « 4 » ، ممّن يستوجبه بدينه وأمانته ، وهديه وصيانته ، بعد اطّراح الهوى ، والتحرّي للحق ، والزّلّفى « 5 » إلى اللّه جلّ جلاله بما يرضيه . وبعد أن قطع الأواصر ، وأسخط الأرقاب ، فلم يجد أحدا أجدر أن يوليه عهده ، ويفوّض إليه الخلافة بعده ، لفضل نفسه وكرم خيمه « 6 » وشرف مرتبته وعلوّ منصبه ، مع تقاه وعفافه ومعرفته وحزمه ، من المأمون الغيب ، الناصح الجيب ، أبي المطرّف عبد الرحمن بن المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر ، وفّقه اللّه ! إذ كان أمير المؤمنين - أيّده اللّه تعالى ! - قد ابتلاه واختبره ، ونظر في شأنه واعتبره ، فرآه مسارعا في الخيرات ، سابقا في الحلبات « 7 » ، مستوليا على الغايات ، جامعا للمأثرات . ومن كان المنصور أباه ، والمظفّر أخاه ، فلا غرو أن يبلغ من سبل البرّ مداه ، ويحوي من خلال الخير ما حواه ، مع أن أمير المؤمنين - أيّده اللّه ! - بما طالع من مكنون العلم ، ووعاه من مخزون الأثر ، يرى أن يكون وليّ عهده القحطاني الذي حدّث عنه عبد اللّه بن عمرو بن العاص وأبو هريرة أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم قال : « لا تقوم السّاعة حتّى يخرج رجل من قحطان يسوق النّاس بعصاه » . فلما استوى له الاختبار « 8 » ، وتقابلت عنده فيه الآثار ، ولم يجد عنه مذهبا ، ولا إلى غيره معدلا ، خرج إليه من تدبير الأمور في حياته ، وفوّض إليه الخلافة بعد وفاته ، طائعا راضيا مجتهدا ، وأمضى أمير المؤمنين هذا وأجازه ، وأنجزه وأنفذه ، ولم يشرط فيه مثنوية « 9 »
هامش
( 1 ) أعطى صفقة يمينه : أي أعطى عهده وذمته .
( 2 ) عصب : قوّى .
( 3 ) في ب : وتقصّى .
( 4 ) يعول عليه : يعتمد عليه .
( 5 ) في ب : والتزلف .
( 6 ) الخيم - بكسر الخاء - السجيّة ، الطبيعة .
( 7 ) الحلبات : جمع حلبة ، وهي المنصة التي تجري عليها المصارعة ونحوها . وأراد ساحة القتال ضد الأعداء .
( 8 ) في ب ، ه : الاختيار .
( 9 ) مثنوية : استثناء .