تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
محمد بن حفص على الجحد ، فقال جعفر : أنشد اللّه من له علم بما أذكره ، إلّا اعترف به فلا ينكره ، وأنا أحوج إلى السكوت ، ولا تحجب دعوتي فيه عن الملكوت ، فقال الوزير أحمد بن عباس : قد كان بعض ما ذكرته يا أبا الحسن ، وغير هذا أولى بك ، وأنت فيما أنت فيه من محنتك وطلبك ، فقال : أحرجني الرجل ، فتكلّمت ، وأحوجني إلى ما به أعلمت ، فأقبل الوزير ابن جهور على محمد بن حفص وقال : أسأت إلى الحاجب ، وأوجبت عليه غير الواجب ، أو ما علمت أنّ منكوب السلطان لا يسلّم على أوليائه لأنه إن فعل ألزمهم الردّ لقوله تعالى :
وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها
[ النساء : 86 ] فإن فعلوا طاف بهم من إنكار السلطان ما يخشى ويخاف ؛ لأنه تأنيس لمن أوحش وتأمين لمن أخاف ، وإن تركوا الردّ أسخطوا اللّه ، فصار الإمساك أحسن ، ومثل هذا لا يخفى على أبي الحسن ، فانكسر ابن حفص ، وخجل ممّا أتى به من النقص . وبلغه أن قوما توجّعوا له ، وتفجّعوا ممّا وصله ، فكتب إليهم : [ الطويل ]
أحنّ إلى أنفاسكم فأظنّها * بواعث أنفاس الحياة إلى نفسي
وإنّ زمانا صرت فيه مقيّدا * لأثقل من رضوى وأضيق من رمس « 1 »
انتهى ما ترجم به المنصور بن أبي عامر .

[ ولاية عبد الملك المظفر بن المنصور ، ثم ولاية عبد الرحمن الناصر لدين اللّه ]

ولنرجع فنقول : ولمّا توفي المنصور قام بالأمر بعده ابنه عبد الملك المظفّر أبو مروان فجرى على سنن أبيه « 2 » في السياسة والغزو ، وكانت أيامه أعيادا دامت مدّة سبع سنين وكانت تسمى بالسابع ، تشبيها بسابع العروس ، ولم يزل مثل اسمه مظفرا إلى أن مات سنة تسع وتسعين وثلاثمائة في المحرم ، وقيل : سنة ثمان وتسعين . وكاتبه المعزّ بن زيري ملك مغراوة بعد أن استرجع فاسا والمغرب إثر موت أبيه ، فكتب له العهد على المغرب ، وثارت الطوائف في ممالكهم ، وتحرّكت الجلالقة لاسترجاع معاقلهم وحصونهم . قال ابن خلدون « 3 » : ثم قام بالأمر بعده أخوه عبد الرحمن ، وتلقّب بالناصر لدين اللّه ، وقيل : بالمأمون ، وجرى على سنن أبيه وأخيه في الحجر على الخليفة هشام ، والاستبداد عليه ، والاستقلال بالملك دونه . ثم ثاب له رأي في الاستئثار بما بقي من رسوم الخلافة ، فطلب من هشام المؤيد أن يوليه عهده ، فأجابه ، وأحضر لذلك الملأ من أرباب الشورى وأهل الحلّ
هامش
( 1 ) الرمس : القبر . ( 2 ) سنن أبيه : طريقته ونهجه . ( 3 ) تاريخ ابن خلدون 4 / 148 .