تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
وفي السادسة والأربعين ما نصّه : انتهت هيبة المنصور بن أبي عامر وضبطه للجند واستخدام ذكور الرجال « 1 » وقوّام الملك إلى غاية لم يصلها ملك قبله ، فكانت مواقفهم في الميدان على احتفاله مثلا في الإطراق ، حتى إنّ الخيل لتتمثّل إطراق فرسانها فلا تكثر الصهيل والحمحمة « 2 » ، ولقد وقعت عينه على بارقة سيف قد سلّه بعض الجند بأقصى الميدان لهزل أو جدّ بحيث ظنّ أنّ لحظ المنصور لا يناله ، فقال : عليّ بشاهر السيف ، فمثل بين يديه لوقته ، فقال : ما حملك على أن شهرت سيفك في مكان لا يشهر فيه إلّا عن إذن ؟ فقال : إنّي أشرت به إلى صاحبي مغمدا فذلق « 3 » من غمده ، فقال : إن مثل هذا لا يسوغ بالدعوى ، وأمر به فضربت عنقه بسيفه ، وطيف برأسه ، ونودي عليه بذنبه انتهى . وفي السابعة والأربعين : أن المنصور كان به داء في رجله ، واحتاج إلى الكيّ فأمر الذي يكويه بذلك وهو قاعد في موضع مشرف على أهل مملكته ، فجعل يأمر وينهى ويفري الفريّ في أموره ، ورجله تكوى والناس لا يشعرون ، حتى شمّوا رائحة الجلد واللحم ، فتعجّبوا من ذلك وهو غير مكترث . وأخباره - رحمه اللّه تعالى ! - تحتمل مجلّدات ، فلنمسك العنان ، على أنّا ذكرنا في الباب الرابع والسادس من هذا الكتاب جملة من أخباره ، رحمه اللّه تعالى ! فلتراجع إلى آخره .

[ عود إلى أخبار المنصور ( من المطمح ) ]

وقال الفتح في المطمح « 4 » : وكان ممّا أعين به المنصور على المصحفيّ ميل الوزراء إليه ، وإيثارهم له عليه ، وسعيهم في ترقّيه ، وأخذهم بالعصبيّة فيه ، فإنها وإن لم تكن حميّة أعرابية ، فقد كانت سلفيّة سلطانية ، يقتفي القوم فيها سبيل سلفهم ، ويمنعون بها ابتذال شرفهم ، غادروها سيرة ، وخلّفوها « 5 » عادة أثيرة ، تشاحّ الخلف فيها تشاحّ سلفهم أهل الديانة ، وصانوا بها مراتبهم أعظم صيانة ، ورأوا أنّ أحدا لا يلحق فيها غاية ، ولا يتعاقد لها راية . فلمّا اصطفى الحكم المستنصر بالله جعفر بن عثمان واصطنعه ، ووضعه من أثرته حيث وضعه ، وهو نزيع بينهم ونابغ فيهم « 6 » ، حسدوه وذمّوه ، وخصّوه بالمطالبة وعمّوه . وكان أسرع صنف « 7 » الطائفة من أعالي الوزراء وأعاظم الدولة إلى مهاودة المنصور عليه ، والانحراف عنه إليه ، آل أبي
هامش
( 1 ) ذكور الرجال : أي الأبطال الشجعان . ( 2 ) الحمحمة : صوت الحصان دون الصهيل . ( 3 ) في ب : فزلق . ( 4 ) في ج : وفي الثامنة والأربعين . ( 5 ) في ج : وتخلقوها . ( 6 ) في ه : نابع فيهم . ( 7 ) في ه : أسرع هذه الطائفة .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 326 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي