تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
أولئك طمعا ورجاء ، فترى لنا أن نجلس عن سوقنا هذا ؟ فضحك المنصور ودعا بالكسا والصّلات ، فدفعت لهم ، وانصرفوا مسرورين بغدوتهم . وفي الزهرة الرابعة والأربعين ما نصّه : كان بقرطبة على عهد الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر فتى من أهل الأدب قد رقّت حاله في الطلب ، فتعلّق بكتاب العمل ، واختلف إلى الخزانة مدّة ، حتى قلّد بعض الأعمال ، فاستهلك كثيرا من المال ، فلمّا ضمّ إلى الحساب أبرز عليه ثلاثة آلاف دينار ، فرفع خبره إلى المنصور ، فأمر بإحضاره ، فلمّا مثل بين يديه ولزم الإقرار بما برز عليه قال له : يا فاسق ، ما الذي جرّأك على مال السلطان تنتهبه ؟ فقال : قضاء غلب الرأي ، وفقر أفسد الأمانة ، فقال المنصور : واللّه لأجعلنّك نكالا لغيرك ، ليحضر كبل « 1 » وحدّاد ، فأحضرا ، فكبل الفتى وقال : احملوه إلى السجن ، وأمر الضابط بامتحانه والشدّة عليه ، فلما قام أنشأ يقول : [ السريع ]
أوّاه أوّاه وكم ذا أرى * أكثر من تكرار أوّاه « 2 »
ما لامرىء حول ولا قوّة * الحول والقوة للّه
فقال المنصور : ردّوه ، فلما ردّ قال : أتمثلت أم قلت ؟ قال : بل قلت ، فقال : حلّوا عنه كبله ، فلمّا حلّ عنه أنشأ يقول : [ السريع ]
أما ترى عفو أبي عامر * لا بدّ أن تتبعه منّه
كذلك اللّه إذا ما عفا * عن عبده أدخله الجنّه
فأمر بإطلاقه ، وسوّغه « 3 » ذلك المال ، وأبرأه من التبعة فيه . وفي الخامسة والأربعين : عرض على المنصور بن أبي عامر اسم أحد خدمه في جملة من طال سجنه ، وكان شديد الحقد عليه ، فوقّع على اسمه بأن لا سبيل إلى إطلاقه حتى يلحق بأمّه الهاوية ، وعرّف الرجل بتوقيعه ، فاهتمّ واغتمّ وأجهد نفسه في الدعاء والمناجاة ، فأرق المنصور إثر ذلك ، واستدعى النوم فلم يقدر عليه ، وكان يأتيه عند تنويمه آت كريه الشخص عنيف الأخذ يأمره بإطلاق الرجل ، ويتوعّده على حبسه ، فاستدفع شأنه مرارا إلى أن علم أنّه نذير من ربّه ، فانقاد لأمره ، ودعا بالدواة في مرقده فكتب بإطلاقه ، وقال في كتابه : هذا طليق اللّه على رغم أنف ابن أبي عامر ، وتحدّث الناس زمانا بما كان منه .
هامش
( 1 ) الكبل : القيد . ( 2 ) في ب : تذكار أواه . ( 3 ) سوغه ذلك المال : جعله له سائغا .