منه درك الثار ، وانتصاف لأهل الجنّة من أهل النار ، فأمّا الأوطان فقد أسلتهم عنها جهة تنبت العزّ فيما تنبته ، وتنفي من الضيم ما تلك تثبته ، وما ذكر الساخط ، على المحل الساقط ، منازل عادت على مبانيها أطلالا ، ومغانيها أمحالا ، وللعبد حال يستقبل بها من النظر الكريم - أدامه اللّه تعالى ! - ما أعين الآمال إليه صور « 1 » ، ورجاء الجميع عليه مقصور ، انتهى .
[ من خطاب لأبي المطرف إلى بعض ذوي الألباب ]
والغاية في هذا الباب ما كتب به - رحمه اللّه ! - من جملة كتاب لبعض ذوي الألباب ، ونصّ محل الحاجة منه : نخصّ الجهة البعيدة الصّيت والاسم ، الشهيرة العمل والعلم ، درّة تاجنا ، وضوء سراجنا ، ونكتة احتجاجنا ، أبقاها اللّه تعالى في أعيننا منارا ، ولأندلسنا فخارا ، على أنه وإن بقيت المفاخر ، فقد أودى المفاخر ، وإن أضاء الطالع ، فقد درجت « 2 » المطالع ، وغلب عليها عداة زووا عنها وجوهنا ، وأروا فيها مكروهنا ، حتى أني أتيت بشعر فيه استسقاء للديار ، على عادة الأشعار ، فقلت : [ الكامل ]
زدنا على النائين عن أوطانهم * وإن اشتركنا في الصّبابة والجوى
إنّا وجدناهم قد استسقوا لها * من بعد أن شطّت بهم عنها النّوى « 3 »
ويصدّنا عن ذاك في أوطاننا * مع حبّها الشّرك الذي فيها ثوى « 4 »
حسناء طاعتها استقامت بعدنا * لعدوّنا ، أفيستقيم لها الهوى
قلت : ما رأيت ولا سمعت مثل هذه الأبيات في معناها ، العالية في مبناها ، فإنّ فيها الإشارة إلى استيلاء النصارى - دمّرهم اللّه ! - على تلك الديار ، وثبوت قدمهم فيها على طبق ما حصل لهم فيه اختيار ، مع إدماج حبّه لها الذي لا يشكّ فيه ولا يرتاب ، واشتمالها على المحاسن التي هي بغية الرائد ونجعة المنتاب ، ولكل أجل كتاب ، وإذا نفذ سهم المقدور فلا عتاب .
ومما يستولي على الخواطر ، ويروي رياض الأفكار بسحب بلاغته المواطر ، قوله - رحمه اللّه تعالى ! - يخاطب أبا الحسن الرّعيني « 5 » سنة ( 634 ) : [ الكامل ]
يا صاحبي والدهر - لولا كرّة * منه على حفظ الذّمام - ذميم
هامش
( 1 ) صور : جمع صوراء وهي وصف المؤنث من صور يصور - بزنة فرح يفرح . إذا مال ، واعوجّ .
( 2 ) في ب : دجت .
( 3 ) شطت : بعدت . والنوى : البعد .
( 4 ) ثوى بالمكان : أقام فيه .
( 5 ) هو أبو الحسن علي محمد بن علي بن الفخار الرعيني المتوفى سنة 666 ه . ( الذيل والتكملة 5 : 323 ) .