تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
كمّل لمن أمّلك النعمة بتركه في موطنه ، غير مكدّر لخاطره بالتحرّك من معدنه ، متلفّتا إلى قول القائل « 1 » : [ البسيط ]
وسوّلت لي نفسي أن أفارقها * والماء في المزن أصفى منه في الغدر
فإن أغناه اهتمام مؤمّله عن ارتياد المراد ، وبلّغه دون أن يشدّ قتبا ولا أن ينضي عيسا غاية المراد ، أنشد ناجح المرغوب ، بالغ المطلوب : [ الطويل ]
وليس الذي يتّبّع الوبل رائدا * كمن جاءه في داره رائد الوبل
وربّ قائل إذا سمع هذا التبسّط على الأماني : ما له تشطّط ، وعدل عن سبيل التأدّب وتبسّط ؟ ولا جواب عندي إلّا قول القائل : [ البسيط ]
فهذه خطّة ما زلت أرقبها * فاليوم أبسط آمالي وأحتكم
وما لي لا أنشد ما قاله المتنبي في سيف الدولة : [ المتقارب ]
ومن كنت بحرا له يا عليّ * لم يقبل الدّرّ إلّا كبارا
انتهى المقصود منه .

[ وصف شريش وشلب وكورة اشكونية ]

وقال الحجاري : إن مدينة شريش بنت إشبيلية ، وواديها ابن واديها ، ما أشبه سعدى بسعيد ، وهي مدينة جليلة ضخمة الأسواق ، لأهلها همم ، وظرف في اللباس ، وإظهار الرفاهية ، وتخلّق بالآداب ، ولا تكاد ترى بها إلّا عاشقا أو « 2 » معشوقا ، ولها من الفواكه ما يعمّ ويفضل ، وممّا اختصّت به إحسان الصنعة في المجبنات ، وطيب جبنها يعين على ذلك ، ويقول أهل الأندلس : من دخل شريش ولم يأكل بها المجبنات فهو محروم ، انتهى . والمجبنات : نوع من القطائف يضاف إليها الجبن في عجينها ، وتقلى بالزيت الطيب . وفي شلب يقول الفاضل الكاتب أبو عمرو بن مالك بن سبدمير « 3 » : [ الخفيف ]
أشجاك النسيم حين يهبّ * أم سنى البرق إذ يخبّ ويخبو
أم هتوف على الأراكة تشدو * أم هتون من الغمامة سكب
كلّ هذاك للصّبابة داع * أيّ صبّ دموعه لا تصبّ
هامش
( 1 ) هذا البيت للأعمى التطيلي قاله حين أزمع مفارقة إشبيلية ( انظر ديوانه ص 49 ) . ( 2 ) في ب : عاشقا ومعشوقا . ( 3 ) في ب : سيدمير .