وصف بورخارت لمكة
والملاحظ مما كتبه رحالتنا هذا أن إقامته في مكة كانت مريحة جدا ، فهو يقول إنه لم يتمتع خلال سفراته في البلاد الشرقية كلها بمثل ما تمتع به في مكة من الراحة ، وانه سيظل يتذكر اقامته فيها إلى الأبد برغم انحراف المزاج الذي ألم به فلم يسمح له بالتمتع بجميع ما سمحت له الأحوال التمتع به .
وبعد ان يشير إلى التقديس والتبجيل الذي يكنه العرب جميعا لها ، وإلى الأسماء التي تطلق عليها مثل « أم القرى » و « المشرفة » و « البلد الأمين » ، يأخذ بوصفها من جميع النواحي فيقول ان البلدة نفسها تشغل فضاء يبلغ طوله حوالي ألف وخمس مئة خطوة ، اي من محلة الشبيكة إلى نهاية المعلا .
لكن جميع ما يطلق عليه اسم مكة بالمعنى الأوسع يمتد من ضاحية جرول ( المدخل من طريق جدة ) إلى ضاحية المعبدة على طريق الطائف ، ويبلغ هذا حوالي ثلاثة ألاف وخمس مئة خطوة . اما الجبال التي تحيط بهذا الوادي .
الذي كان يسميه العرب وادي مكة أوبكة ، فيبلغ ارتفاعها ما بين مئتين وخمس مئة قدم ، وهي جرداء خالية من الزرع والشجر . وينحدر الوادي برفق نحو الجنوب ، حيث تقع محلة المسفلة . ولذلك يتبدد المطر الذي يسقط أحيانا على مكة في جنوب مسفلة ، في الوادي المكشوف الذي يسمى وادي الطرفين .
وتقع معظم البلدة في ضمن الوادي نفسه .
ويقول بورخارت ان مكة يمكن ان تعتبر بلدة جميلة ، لان شوارعها أعرض من شوارع المدن الشرقية الأخرى بوجه عام ، وبيوتها عالية مبنية بالحجر ، فيها عدد من الشبابيك التي تطل على الشوارع فتسبغ عليها منظرا تملأه الحيوية بخلاف الدور في مصر وسورية التي لا تطل على الطرق في الغالب . وهي ، مثل جدة ، تحتوي على عدد من الدور ذات ثلاثة طوابق ، ويقول كذلك ان مكة مفتوحة من جميع الجهات ، لكن الجبال المحيطة بها تكوّن مانعا حصينا ضد العدو إذا ما دوفع عنها بطريقة أصولية . وقد