تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
فصار السّلطان يشكره ، ويثني عليه لما يبلغه من ذلك ، وأمّا العامّة فإنّه ثقل عليها وكرهته ، حتى إنّه لمّا تأمّر ابن الأمير بكتمر السّاقي ، وركب إلى القبّة المنصوريّة على العادة ومعه أبوه والنّائب وسائر الأمراء ، صاحت العامّة للأمير بكتمر الساقي : يا أمير بكتمر بحياة ولدك اعزل هذا الظّالم ، وردّ علينا وإلينا - يعنون الخازن . فلمّا عرّف بكتمر السّلطان ذلك أعجبه ، وقال : يا أمير ما تخشى العامّة والسّوقة إلّا ظالما مثل هذا ما يخاف اللّه تعالى . وزاد إعجاب السّلطان به حتّى قال له : لا تشاور في أمر المفسدين . فلم يغترّ بذلك ، ورفع إليه جميع ما يتّفق له ، وشاوره في كلّ جليل وحقير ، وقال له : إنّ جماعة من الكتّاب والتّجّار قد عصروا الخمر ، واستأذنه في طلبهم ومصادرتهم . فتقدّم له بمشاورة النائب في ذلك ، وإعلامه أنّ السّلطان قد رسم بالكشف عمّن عصر من الكتّاب والتجّار الخمر . فلمّا صار إلى النّائب وعرّفه الخبر ، أهانه وقال : إنّ السّلطان لا يرضى بكبس بيوت النّاس ، وهتك حرمهم وسترهم وإقامة الشّناعات . وقام من فوره إلى السّلطان ، وعرّفه ما يكون في فعل ذلك من الفساد الكبير ، وما زال به حتى صرف رأيه عمّا أشار به قدادار من كبس الدّور ، وأخذ النّاس في مماقتته ، والإخراق به في كلّ وقت ، فإنّه كان يعنى بالخازن ، ولم يعجبه عزله عن الولاية . فكثر جور قدادار ، وزاد تتبّعه للنّاس ، ونادى : « ألّا يعمل أحد حلقة في «
( a
» بين القصرين ولا يسمر هناك » ، وأمر ألّا يخرج أحد من بيته بعد عشاء الآخرة ، وأقام عنه نائبا من بطّالي الحسينيّة ضمن المسطبة منه في كلّ يوم بثلاث مائة درهم . وانحصر النّاس منه ، وضاقوا به ذرعا لكثرة ما هتك أستارهم ، وخرق بكثير من المستورين . وتسلّطت المستصنعة وأرباب المظالم على النّاس ، وكانوا إذا رأوا سكران أو شمّوا منه رائحة خمر أحضروه إليه . فتوقّى النّاس شرّه ، وشكاه الأمراء غير مرّة إلى السّلطان فلم يلتفت لما يقال فيه . والنّائب مستمرّ على الإخراق به إلى أن قبض عليه السّلطان ، فخلا الجوّ لقدادار ، وأكثر من سفك الدّماء ، وإتلاف النّفوس ، والتّسلّط على العامّة لبغضهم إيّاه . والسّلطان يعجبه منه ذلك ، بحيث أنّه أبرز مرسوما لسائر عمّاله وولاته أنّ أحدا منهم لا يقتصّ ممّن وجب عليه القصّاص ، في النّفس أو القطع ، إلّا أن يشاور فيه ويطالع بأمره ما خلا قدادار متولّي «
( b
» القاهرة ، فإنّه لا يشاور على مفسد ولا غيره ، ويده مطلقة في سائر النّاس . فدهي النّاس منه بعظائم ، وشرع في كبس بيوت السّعداء ، ومشت جماعة من المستصنعين في
هامش
( aبولاق : فيما .( bبولاق : مستولي .