تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 500

مساهمون:

ص٥٠٠
فلمّا كان في سنة أربع وعشرين ، / كثرت الشّناعة في القاهرة بسبب الفلوس ، وتعنّت النّاس فيها ، وامتنعوا من أخذها حتى وقف الحال وتحسّن السّعر . وكان حينئذ يتقلّد الوزارة الأمير علاء الدّين مغلطاي الجمالي ، ويتقلّد ولاية القاهرة الأمير علم الدّين سنجر الخازن . فلمّا توجّه السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون من قلعة الجبل إلى السّرحة بناحية سرياقوس ، بلغه توقّف الحال ، وطمع السّوقة في النّاس ، وأنّ متولّي القاهرة فيه لين ، وأنّه قليل الحرمة على السّوقة . وكان السّلطان كثير النّفور من العامّة شديد البغض لهم ، ويريد كل وقت من الخازن أن يبطش بالحرافيش ويؤثّر فيهم آثارا قبيحة ، ويشهّر منهم جماعة ، فلم يبلغ من ذلك غرضه فكرهه ، واستدعى الأمير أرغون نائب السّلطنة ، وتقدّم إليه بالإغلاظ في القول على الخازن بسبب فساد حال النّاس ، وهمّ ببروز أمره بالقبض عليه وأخذ ماله . فما زال به النّائب حتى عفا عنه ، وقال : السّلطان يعزله ويولّي من ينفع في مثل هذا الأمر . فاختار ولاية قدادار عوضه لما يعرف من يقظته وشهامته وجراءته على سفك الدّماء ، فاستدعاه من البحيرة ، وولّاه ولاية القاهرة في أوّل شهر رمضان من السنة المذكورة . فأوّل ما بدأ به أن أحضر الخبّازين والباعة ، وضرب كثيرا منهم بالمقارع ضربا مبرحا ، وسمّر عدّة منهم في دراريب حوانيتهم ، ونادى في البلد : « من ردّ فلسا سمّر » ، ثم عرض أهل السّجن ، ووسّط جماعة من المفسدين عند باب زويلة ، فهابته العامّة وذعروا منه . وأخذ يتتبّع من عصر خمرا ، وأحضر عريف الحمّالين وألزمه بإحضار من كان يحمل العنب . فلمّا حضروا عنده استملاهم أسماء من يشتري العنب ومواضع مساكنهم ، ثم أحضر خفراء الحارات والأخطاط ، ولم يزل بهم حتى دلّوه على سائر من عصر الخمر . فاشتهر ذلك بين النّاس وخافوه ؛ فحوّل أهل حارة زويلة وأهل حارتي الرّوم والدّيلم وغير ذلك من الأماكن ما عندهم من الخمر ، وصبّوها في البلاليع والأقنية ، وألقوها في الأزقّة ، وبذلوا المال لمن يأخذها منهم . فحصل لكثير من العامّة والأطراف منها شيء كثير ، حتى صارت تباع كلّ جرّة خمر بدرهم ، ويمرّ النّاس بأبواب الدّور والأزقّة فترى من جرار الخمر شيئا كثيرا ، ولا يقدر أحد أن يتعرّض لشيء منها . ثم ركب وكبس خطّ باب اللّوق ، وأخذ منه شيئا كثيرا من الحشيش وأحرقه عند باب زويلة ، واستمرّ الحال مدّة شهر ما من يوم إلّا ويهرق فيه خمر عند باب زويلة ، ويحرق حشيش . فطهّر اللّه به البلد من ذلك جميعه ، وتتبّع الزّعّار وأهل الفساد ، فخافوه وفرّوا من البلد .
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 500 | المقريزي / أيمن فؤاد سيد