تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
قال : فخرجنا إلى الصّحراء ، فأوقفنا على النّبات ، فلمّا رأيناه قلنا : هذا نبات يعرف بالقنّب . فأمرنا أن نأخذ من ورقه ونأكله ، ففعلنا . ثم عدنا إلى الزّاوية فوجدنا في قلوبنا من السّرور والفرح ما عجزنا عن كتمانه . فلمّا رآنا الشّيخ على الحالة التي وصفنا أمرنا بصيانة هذا العقار ، وأخذ علينا الأيمان ألا نعلم به أحدا من عوامّ النّاس ، وأوصانا ألّا نخفيه عن الفقراء ، وقال : إنّ اللّه تعالى قد خصّكم بسرّ هذا الورق ، ليذهب بأكله همومكم الكثيفة ، ويجلو بفعله أفكاركم الشّريفة . قراقبوه فيما أودعكم ، وراعوه فيما استرعاكم . قال الشّيخ جعفر : فزرعتها بزاوية الشّيخ حيدر بعد أن وقفنا على هذا السّرّ في حياته ، وأمرنا بزرعها حول ضريحه بعد وفاته . وعاش الشّيخ حيدر بعد ذلك عشر سنين وأنا في خدمته ، لم أره يقطع أكلها في كلّ يوم ، وكان يأمرنا بتقليل الغذاء وأكل هذه الحشيشة . وتوفّي الشيخ حيدر سنة ثمان عشرة بزاويته في الجبل ، وعمل على ضريحه قبّة عظيمة ، وأتته النّذور الوافرة من أهل خراسان ، وعظّموا قدره وزاروا قبره ، واحترموا أصحابه . وكان قد أوصى أصحابه عند وفاته أن يوقفوا ظرفاء أهل خراسان وكبراءهم على هذا العقّار وسره ، فاستعملوه . قال : ولم تزل الحشيشة شائعة ذائعة في بلاد خراسان ومعاملات فارس ، ولم يكن يعرف أكلها أهل العراق ، حتى ورد إليها صاحب هرمز ومحمد بن محمد صاحب البحرين - وهما من ملوك سيف البحر المجاور لبلاد فارس - في أيّام الملك الإمام المستنصر باللّه « 1 » ، وذلك في سنة ثمان وعشرين وستّ مائة ، فحملها أصحابهما معهم ، وأظهروا للنّاس أكلها . فاشتهرت بالعراق ، ووصل خبرها إلى أهل الشّام ومصر والرّوم . فاستعملوها . قال : وفي هذه السّنة ظهرت الدّراهم ببغداد ، وكان النّاس ينفقون القراضة . وقد نسب إظهار الحشيشة إلى الشّيخ حيدر الأديب محمّد بن عليّ بن الأعمى الدّمشقي في أبيات ، وهي : [ الطويل ]
دع الخمر واشرب من مدامة حيدر * معنبرة خضراء مثل الزّبرجد
يعاطيكها ظبيّ من التّرك أغيد * يميس على غصن من البان أملد
فتحسبها في كفّه إذ يديرها * كرقم عذار فوق خدّ مورّد
هامش
( 1 ) أي الخليفة العبّاسي المستنصر باللّه ، أبو جعفر منصور بن الظاهر بأمر اللّه محمد بن الناصر لدين اللّه أحمد ، صاحب المدرسة المستنصرية ببغداد .