تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
فإذا اقتضت آراء السّلطان تسفير أحد منهم في مهمّ ، يحتاج المملوك إلى استدعائه من خدمة الأمير الدّوادار ، فإذا التمس منّي أنّي أخبره بالمعنى الذي توجّه فيه البريدي لا أقدر على إعلامه بذلك ولا آمن إن كتمته ، وانصرف . فلمّا كان من الغد ، وطلع الأمراء إلى الخدمة على العادة ، قال السّلطان للأمير يونس الدّوادار : أرسل البريديّة كلّهم إلى كاتب السّرّ ليمشوا ويركبوا معه . فلم يجد بدّا من إرسالهم ، وحصل عنده من إرسالهم المقيم المقصد «
( a
» . فصار البريديّة يركبون نوبا في خدمة أوحد الدّين ، ويتصرّف في أمور الدّولة وحده مع سلطانه . فانفرد بالكلمة ، وخضع له الخاصّ والعامّ ؛ إلّا أنّه نغّص عليه في نفسه ، ومرض مرضا طويلا سقطت معه شهوة الطّعام ، بحيث أنّه لم يكن يشتهي شيئا من الغذاء ، وتنوّع له المآكل بين يديه لكي تميل نفسه إلى شيء منها ، ومتى تناول غذاء تقيّأه في الحال . وما زال على ذلك إلى أن مات عن سبع وثلاثين سنة ، في يوم السبت ثاني ذي الحجّة سنة ستّ وثمانين وسبع مائة ، ودفن خارج باب النّصر « 1 » ، فلم يتأخّر أحد من الأمراء والأعيان عن جنازته . وكان حسن السّياسة ، رضيّ الخلق ، عاقلا ، كثير السّكون ، جيّد السّيرة ، جميل الصّورة ، حشم «
( b
» الهيئة ، عارفا بأمر دنياه ، محبّا للمداراة ، صاحب باطن ، قليل العلم ، رحمه اللّه .

ربع الزّيتي

هذا الرّبع كان بجوار قنطرة الحاجب التي على الخليج النّاصريّ « 2 » ، وكان يشتمل على عدّة مساكن ينزلها أهل الخلاعة للقصف ، فإنّه كان يشرف من جهاته الأربع على رياض وبساتين . ففي شرقيه غيط الزّيتي وقد خرب وموضعه اليوم بركة ماء . وفي غربيه غيط الحاجب بيبرس - وأدركته عامرا ، وهو اليوم مزارع بعد ما كان له باب كبير بجانبه حوض ماء للسّبيل ، وعليه سياج من طين دائر به - ومن قبلي هذا الرّبع الخليج وقنطرة الحاجب والجنينة التي بأرض الطّبّالة ، ومن بحرية بساتين تتّصل بالبعل وكوم الرّيش .
هامش
( aبولاق : المقعد .( bبولاق : حسن . ( 1 ) أضاف ابن قاضي شهبة : بتربة جده فخر الدّين بن التركماني ( تاريخ 1 : 146 ) . ( 2 ) فيما يلي 505 .