تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
وعددهم - ستّ مائة رجل بالنّوبة - ونقل جلوس الظّافر من القاعة إلى الإيوان في البراح والسّعة ، حتى إذا دخل للخدمة يكون أصحاب الزّرد معه . ثم تأكّدت النّفرة بينهما ، فقبض على صبيان الخاصّ وقتل أكثرهم ، وفرّق باقيهم وكانوا خمس مائة رجل . وما زال الأمر على ذلك إلى أن قتله ربيبه عبّاس بن تميم بيد ولده نصر ، واستقرّ بعده في وزارة الظّافر . وكان بين ناصر الدّين نصر بن عبّاس الوزير وبين الظّافر مودّة أكيدة ومخالطة ، بحيث كان الظّافر يشتغل به عن كلّ أحد ، ويخرج من قصره إلى دار نصر بن عبّاس التي هي اليوم المدرسة السّيوفيّة . فخاف عبّاس من جراءة ابنه ، وخشي أن يحمله الظّافر على قتله ، فيقتله كما قتل الوزير عليّ بن السّلار زوج جدّته أمّ عبّاس . فنهاه عن ذلك ، وألحف في تأنيبه وأفرط في لومه ، لأنّ الأمراء كانوا مستوحشين من عبّاس ، وكارهين منه تقريبه أسامة بن منقذ لما علموه من أنّه هو الذي حسّن لعبّاس قتل ابن السّلار كما هو مذكور في خبره ، وهمّوا بقتله ، وتحدّثوا مع الخليفة الظّافر في ذلك « 1 » . فبلغ أسامة ما هم عليه - وكان غريبا من الدّولة - فأخذ يغري الوزير عبّاس بن تميم بابنه نصر ، ويبالغ في تقبيح مخالطته للظّافر ، إلى أن قال له مرّة : كيف تصبر على ما يقول النّاس في حقّ ولدك من أنّ الخليفة يفعل به ما يفعل بالنّساء ؟ فأثّر ذلك في قلب عبّاس . واتّفق أنّ الظّافر أنعم بمدينة قليوب على نصر بن عبّاس ، فلمّا حضر إلى أبيه وأعلمه بذلك ، وأسامة حاضر فقال له : يا ناصر الدّين ما هي بمهرك غالية ، يعرّض له بالفحش . فأخذ عبّاس من ذلك ما أخذه ، وتحدّث مع أسامة لثقته به في كيفيّة الخلاص من هذا ، فأشار عليه بقتل الظّافر إذا جاء إلى دار نصر على عادته في اللّيل ، فأمره بمفاوضة ابنه نصر في ذلك . فاغتنمها أسامة ، وما زال بنصر يشنّع عليه ، ويجرّئه على قتل الظّافر حتى وعده بذلك . فلمّا كان ليلة الخميس آخر المحرّم من سنة تسع وأربعين وخمس مائة ، خرج الظّافر من قصره متنكّرا ومعه خادمان كما هي عادته ، ومشى إلى دار نصر بن عبّاس ، فإذا به قد أعدّ له قوما ، فعند ما صار في داخل داره وثبوا عليه وقتلوه هو وأحد الخادمين ، وتوارى عنهم الخادم الآخر ولحق بعد ذلك بالقصر ، ثم دفنوا الظّافر والخادم تحت الأرض في الموضع الذي فيه الآن المسجد « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر فيما يلي 184 . ( 2 ) راجع ، أسامة بن منقذ : الاعتبار 43 - 44 ؛ -
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 86 | المقريزي / أيمن فؤاد سيد