تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
والقطا وفراخ الحمام والعصافير المقلاة بمبلغ مائتي درهم وخمسين درهما فضّة ، يكون عنها يومئذ نحو من اثني عشر مثقالا من الذّهب ، وأنّ هذا كان دأبه في كلّ ليلة « 1 » . ولا يكاد مثل هذا مع كثرته لرخاء الأسعار ، يؤثّر نقصه فيما كان هنالك من هذا الصّنف ، لعظم ما كان يوضع في بين القصرين من هذا النّوع وغيره . ولقد أدركنا ، في كلّ ليلة من بعد العصر ، يجلس الباعة بصنف لحمان الطّيور التي تقلى صفّا من باب المدرسة الكامليّة إلى باب المدرسة النّاصريّة ، وذلك قبل بناء المدرسة الظّاهريّة المستجدّة « 2 » ، فيباع لحم الدّجاج المطجّن ولحم الإوزّ المطجّن كلّ رطل بدرهم ، وتارة بدرهم وربع ، وتباع العصافير المقلوّة كلّ عصفور بفلس ، حسابا عن كلّ أربعة وعشرين بدرهم . والمشيخة تقول : إنّا حينئذ في غلاء لكثرة ما تصف من سعة الأرزاق ورخاء الأسعار في الزّمن الذي أدركوه قبل الفناء الكبير « 3 » . ومع ذلك فلقد وقع في سنة ستّ وثمانين [ وسبع مائة ] «
( a
» شيء لا يكاد يصدّقه اليوم من لم يدرك ذلك الزّمان ؛ وهو أنّه كان لنا من بعض «
( b
» جيراننا بحارة برجوان ، شخص يعاني الجنديّة ويركب الخيل . فبلغني عن غلامه أنّه خرج في ليلة من ليالي رمضان - وكان رمضان إذ ذاك في فصل الصّيف - ومع رفيق له من غلمان الخيل ، وأنّهما سرقا من شارع بين القصرين وما قرب منه بضعا وعشرين بطّيخة خضراء ، وبضعا وثلاثين شقفة جبن ، والشّقفة أبدا من نصف رطل إلى رطل . فما منّا إلّا من تعجّب من ذلك ، وكيف تهيّأ لاثنين فعل هذا وحمل هذا القدر يحتاج إلى دابّتين ، إلى أن قدّر اللّه تعالى لي بعد ذلك أن اجتمعت بأحد الغلامين المذكورين وسألته عن ذلك فاعترف لي به . قلت : صف لي كيف عملتما . فذكر أنّهما كان يقفان على حانوت الجبّان أو مقعد البطّيحي - وكان إذ ذاك يعمل من البطّيخ في بين القصرين مرصّات كثيرة جدّا ، في كلّ مرصّ ما شاء اللّه من البطّيخ - قال : فإذا وقفنا قلّب أحدنا بطّيخة ، وقلّب الآخر أخرى ، فلشدّة ازدحام النّاس يتناول أحدنا بطّيخته بخفّة يد وصناعة ، ويقوم فلا يفطن به ، أو يقلّب أحدنا
هامش
( aزيادة لتوضيح المقصود .( bساقطة من بولاق . ( 1 ) أبو حامد المقدسي : الفوائد النفيسة الباهرة 13 - 14 . ( 2 ) بنيت المدرسة الظاهرية المستجدة سنة 786 - 788 ه / 1384 - 1386 م . ( 3 ) وقع الفناء الكبير حول سنة 749 ه / 1349 م ( انظر فيما تقدم 2 : 224 ) .