تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
ورفيقه قائم من ورائه ، والبيّاع مشغول البال لكثرة ما عليه من المشترين وما في ذلك الشّارع من غزير النّاس ، فيحذفها من تحته وهو جالس القرفصاء ، فإذا أحسّ بها رفيقه تناولها ومرّ ، وكذلك كان فعلهم مع الجبّانين وكانوا كثيرا . فانظر - أعزّك اللّه - إلى بضاعة يسرق منها مثل هذا القدر ، ولا يفطن به من كثرة ما هنالك من البضائع ولعظم الخلق . ولقد حدّثني غير واحد ، ممّن قدم مع قاضي القضاة عماد الدّين أحمد الكركي ، أنّه لمّا قدموا من الكرك في سنة اثنتين وتسعين وسبع مائة ، كادوا يذهلون عند مشاهدة بين القصرين . وقال لي ابنه محبّ الدّين محمد : أوّل ما شاهدت بين القصرين حسبت أنّ زفّة أو جنازة كبيرة تمرّ من هناك «
( a
» ، فلمّا لم ينقطع المارّة سألت : ما بال النّاس مجتمعين للمرور من ههنا ؟ فقيل لي : هذا دأب البلد دائما « 1 » . ولقد كنّا نسمع أنّ من النّاس من يقوم خلف الشّاب أو المرأة ، عند التّمشّي بعد العشاء بين القصرين ، ويجامع حتّى يقضي وطره وهما ماشيان من غير أن يدركهما أحد ، لشدّة الزّحام واشتغال كلّ أحد بلهوه . وما برحت أجد من الازدحام مشقّة ، حتّى أفادني بعض من أدركت أنّ من الرّأي في المشي أن يأخذ الإنسان في مشيه نحو شماله ، فإنّه لا يجد من المشقّة كما يجد غيره من الزّحام : فاعتبرت ذلك آلاف مرّات في عدّة سنين فما أخطأ معي ، ولقد كنت أكثر من تأمّل المارّة بين القصرين ، فإذا هم صفّان كلّ صفّ يمر من صوب شماله كالسّيل إذا اندفع . وعلّل هذا الذي أفادني أنّ القلب من يسار كلّ أحد ، والنّاس تميل إلى جهة قلوبهم ، فلذلك صار مشيهم من صوب شمائلهم ، وكذا صحّ لي مع طول الاعتياد « 2 » . ولمّا حدثت هذه المحن بعد سنة ستّ وثمان مائة «
( b
» ، تلاشى أمر بين القصرين ، وذهب ما هناك . وما أخوفني أن يكون أمر القاهرة كما قيل :
هامش
( aبولاق : هنالك .( bبولاق : سنة ست وثمانين وثمان مائة وهو خطأ . ( 1 ) اختصر هذه الفقرة أبو حامد المقدسي : الفوائد النفيسة الباهرة 14 . ( 2 ) نقل جاستون فييت وأندريه ريمون الفصل الخاص ببين القصرين من أوّله إلى هنا ، إلى الفرنسية في كتابهما ،Raymond , A . Wiet , G . , Les Marches du Caire , pp . 217 - 21 .
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 84 | المقريزي / أيمن فؤاد سيد