تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
من يقدر عليه من الرّيحانيّة ، فمضى واستصرخ النّاس لنصرة الخليفة على ولده حسن ، وجمع أمما لا يحصيها إلّا اللّه وسار بهم . فبلغ ذلك حسنا ، فزجّ عسكرا للقاء إسعاف فالتقيا ، وكانت بينهما وقعة هبّت فيها ريح سوداء على عسكر إسعاف حتى هزمتهم ، وركبهم عسكر حسن فلم ينج منهم إلّا القليل ، وغرق أكثرهم في البحر ، وأخذ إسعاف أسيرا فحمل إلى القاهرة على جمل وفي رأسه طرطور لبد أحمر ، فلمّا وصل بين القصرين رشق بالنّشّاب حتى هلك ، ورمي من القصر الغربي بأستاذ آخر فقتل ، وقتل الأمير شرف الأمراء «
( a
» . فاشتدّ ذلك على الحافظ وخاف على نفسه فكتب ورقة ، وكاد ابنه بأن ألقى إليه تلك الورقة وفيها : « يا ولدي أنت على كلّ حال ولدي ، ولو عمل كلّ منّا لصاحبه ما يكره الآخر ما أراد أن يصيبه مكروه ، ولا يحملني قلبي ، وقد انتهى الأمر إلى أمراء الدّولة - وهم فلان وفلان - وقد شددت وطأتك عليهم وخافوك ، وهم معوّلون على قتلك ، فخذ حذرك يا ولدي » . فعند ما وقف حسن على الورقة ، غضب ولم يتأنّ وبعث إلى أولئك ، فلمّا صاروا إليه أمر صبيان الزّرد بقتلهم ، فقتلوا عن آخرهم - وكانوا عدّة من أعيان الأمراء - وأحاط بدورهم وأخذ سائر ما فيها . فاشتدّت المصيبة وعظمت الرّزيّة ، وتخوّف من بقي من الجند ونفروا منه ؛ فإنّه كان جريئا مفسدا شديد الفحص عن أحوال النّاس والاستقصاء لأخبارهم ، يريد إقلاب الدّولة وتغييرها ليقدّم أوباشه ، وأكثر من مصادرة النّاس ، وقتل قاضي القضاة أبا الثّريّا نجم لأنّه كان من خواصّ أبيه ، وقتل جماعة من الأعيان ، وردّ القضاء لابن ميسّر « 1 » . وتفاقم أمره وعظم خطبه ، واشتدّت الوحشة بينه وبين الأمراء والأجناد ، وهمّوا بخلع الحافظ ومحاربة ابنه حسن ، وصاروا يدا واحدة ، واجتمعوا بين القصرين وهم عشرة آلاف ما بين فارس وراجل ، وسيّروا إلى الحافظ يشكون ما هم فيه من البلاء مع ابنه حسن ، ويطلبون منه أن يزيله من
هامش
( aبولاق : شرف الدين . ( المقريزي : المقفى 3 : 416 واتعاظ 3 : 150 ) . ( 1 ) هما القاضي أبو الثّريّا نجم بن جعفر والقاضي أبو عبد اللّه محمد بن هبة اللّه بن ميسّر القيسراني . ( ابن ميسر : أخبار 118 ، 120 ؛ المقريزي : اتعاظ الحنفا 3 : 146 والمقفى الكبير 7 : 398 - 401 ؛ ابن حجر : رفع الإصر 426 - 429 ، 443 ) .