تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
وضعف جانبهم . واشتدّ بأس يأنس وعظم شأنه ، فثقل على الخليفة وتحيّل منه ، فأحسّ بذلك ، فأخذ كلّ منهما في التّدبير على الآخر ، فأعجل يأنس وقبض على حاشية الخليفة ومنهم قاضي القضاة وداعي الدّعاة أبو الفخر وأبو الفتح بن قادوس ، وقتلهما « 1 » . فاشتدّ ذلك على الحافظ ، ودعا طبيبه وقال : اكفني أمر يأنس . فيقال إنّه سمّه في ماء المستراح ، فانفتح دبره ، واتّسع حتى ما بقي يقدر على الجلوس . فقال الطّبيب : يا أمير المؤمنين قد أمكنتك الفرصة وبلغت مقصودك . فلو أنّ مولانا عاده في هذه المرضة اكتسب حسن الأحدوثة ، فإنّ هذا المرض ليس له دواء إلّا الدّعة والسّكون ، ولا شيء عليه أضرّ من الحركة والانزعاج ؛ وهو إذا سمع بقصد مولانا له تحرّك ، واهتمّ للّقاء وانزعج ، وفي ذلك تلاف نفسه ، فنهض لعيادته . وعندما بلغ ذلك يأنس قام ليلقاه ، ونزل عن الفراش وجلس بين يدي الخليفة ؛ فأطال الخليفة جلوسه عنده وهو يحادثه ، فلم يقم حتى سقطت أمعاء يأنس ومات من ليلته في سادس عشر ذي الحجّة سنة ستّ وعشرين وخمس مائة « 2 » . وكانت وزارته تسعة أشهر وأيّاما ، وترك ولدين كفلهما الحافظ وأحسن إليهما . وكان يأنس هذا مولى أرمنيّا لباديس جدّ عبّاس الوزير ، فأهداه إلى الأفضل بن أمير الجيوش ، وترقّى في خدمته إلى أن تأمّر ، ثم ولي الباب - وهي أعظم رتب الأمراء - وكنّي بأبي الفتح ولقّب بالأمير السّعيد . ثم لمّا ولي الوزارة نعت ب « ناصر الجيوش سيف الإسلام » ، وكان عظيم الهمّة ، بعيد الغور ، كثير الشّرّ ، شديد الهيبة « 3 » .

ذكر الأمير حسن بن الخليفة الحافظ -

ولمّا مات الوزير يأنس ، تولّى الخليفة الحافظ الأمور بنفسه ولم يستوزر أحدا ، وأحسن السّيرة . فلمّا كان في سنة ثمان وعشرين وخمس مائة عهد إلى ولده سليمان - وكان أسنّ أولاده وأحبّهم إليه - وأقامه مقام الوزير « 4 » ، فمات بعد / شهرين من ولاية
هامش
( 1 ) المقريزي : اتعاظ الحنفا 3 : 144 - 145 ؛ ساويرس بن المقفع : تاريخ بطاركة الكنيسة 3 / 1 : 28 . ( 2 ) راجع ، ابن ميسر : أخبار مصر 117 - 118 ؛ ابن ظافر : أخبار الدول 98 ( وفيه أن وفاته لليلتين خلتا من ذي القعدة ) وكذلك ابن أبيك : كنز الدرر 6 : 506 ؛ ابن الأثير : الكامل 10 : 673 ؛ النويري : نهاية الأرب 28 : 299 ؛ ابن الفرات : تاريخ الدول والملوك - خ 3 : 42 و - 43 و ؛ المقريزي : اتعاظ الحنفا 3 : 144 - 145 ؛ أبا المحاسن : النجوم الزاهرة 5 : 240 . ( 3 ) المقريزي : اتعاظ الحنفا 3 : 145 . ( 4 ) ابن ميسر : أخبار 121 ؛ ابن الطوير : نزهة المقلتين 37 ؛ المقريزي : اتعاظ 3 : 149 ؛ أبو المحاسن : النجوم 5 : 241 . ويوجد في سوهاج بصعيد مصر نقش أثري من ثمانية أسطر على لوح من الرّخام يحمل اسم « وليّ عهد -