تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
به للبدويّة محبوبة الآمر ، فسألت الخليفة الآمر في حمل الجرن إليها ، فأرسل إلى ابن حديد بإحضار الجرن ، فلم يجد بدّا من حمله من البستان . فلمّا صار إلى الآمر ، أمر بعمله في الهودج . فقلق ابن حديد ، وصارت في قلبه حرارة من أخذ الجرن ، فأخذ يخدم البدويّة ومن يلوذ بها بأنواع الخدم العظيمة الخارجة عن الحدّ في الكثرة ، حتى قالت البدويّة : هذا الرّجل أخجلنا بكثرة تحفه ، ولم يكلّفنا قطّ أمرا نقدر عليه عند الخليفة مولانا . فلمّا قيل له هذا القول عنها قال : ما لي حاجة ، بعد الدّعاء للّه بحفظ مكانها وطول حياتها في عزّ ، غير ردّ الفسقيّة التي قلعت من داري التي بنيتها / في أيّامهم من نعمتهم ، تردّ إلى مكانها . فتعجّبت من ذلك ، وردّتها عليه ، فقيل له : حصلت في حدّ أن خيّرتك البدويّة في جميع المطالب ، فنزلت همّتك إلى قطعة حجر ! فقال : أنا أعرف بنفسي ، ما كان لها أمل سوى ألّا تغلب في أخذ ذلك الحجر من مكانه ، وقد بلّغها اللّه أملها « 1 » . وكان هذا المكين يتولّى «
a
» قضاء الإسكندرية ونظرها في أيام الآمر ، وبلغ من علوّ همّته وعظم مروءته أنّ سلطان الملوك حيدرة ، أخا الوزير المأمون بن البطائحي ، لمّا قلّده الآمر ولاية ثغر الإسكندرية في سنة سبع عشرة وخمس مائة ، وأضاف إليه الأعمال البحرية ، ووصل إلى الثّغر ، ووصف له الطّبيب دهن شمع بحضور القاضي المذكور ، فأمر في الحال بعض غلمانه بالمضيّ إلى داره لإحضار دهن شمع . فما كان أكثر من مسافة الطّريق إلى «
b
» أن أحضر حقّا مختوما فكّ عنه ، فوجد فيه منديل لطيف مذهّب على مذاف بلّور فيه ثلاثة بيوت ، كلّ بيت عليه قبّة ذهب مشبّكة مرصّعة بياقوت وجوهر : بيت دهن بمسك ، وبيت دهن بكافور ، وبيت دهن بعنبر طيّب . ولم يكن فيه شيء مصنوع لوقته . فعند ما أحضره الرّسول ، تعجّب المؤتمن والحاضرون من علوّ همّته . فعند ما شاهد القاضي ذلك بالغ في شكر إنعامه ، وحلف بالحرام إن عاد إلى ملكه . فكان جواب المؤتمن : قد قبلته منك لا لحاجة إليه ، ولا لنظر في قيمته ، بل لإظهار هذه الهمّة واذاعتها . وذكر أنّ قيمة هذا المذاف وما عليه خمس مائة دينار .
هامش
(a) بولاق : متولي . (b) بولاق : إلّا . ( 1 ) فيما يلي 2 : 182 .