يزال كذلك وهو محافظ على كتمان ذلك لا يعلم به أحد قبل الخليفة وبعده الوزير . فإذا انتهى في ذراع الوفاء ، وهو السّادس عشر ، إلى أن يبقى منه إصبع أو إصبعان ، وعلم ذلك من مطالعته ، أمر أن يحمل إلى المقياس في تلك الليلة من المطابخ عشرة قناطير من الخبز السّميذ ، وعشرة من الخراف المشوية ، وعشرة من الجامات الحلوى ، وعشر شمعات .
ويؤمر بالمبيت في تلك الليلة بالمقياس ، فيحضر إليه قرّاء الحضرة والمتصدّرون بالجوامع بالقاهرة ومصر ، ومن يجري مجراهم . فيستعملون ذلك ، ويقدون الشّمع عليهم من العشاء الآخرة ، وهم يتلون القرآن برفق ويطرّبون مكان التّطريب ، فيختمون الختمة الشّريفة . ويكون هذا الاجتماع في جامع المقياس « 1 » ، فيوفّي الماء ستة عشر ذراعا في تلك اليلة .
ولوفاء النّيل عندهم قدر عظيم ، ويبتهجون به ابتهاجا زائدا . وذلك لأنّه عمارة الديار ، وبه التئام الخلق على فضل اللّه ، فيحسن عند الخليفة موقعه ، ويهتم بأموره «
a
» اهتماما عظيما أكثر من كلّ المواسم . فإذا أصبح الصّبح من هذا اليوم ، وحضرت مطالعة ابن أبي الرّدّاد إليه بالوفاء ، ركب إلى المقياس لتخليقه ، فيستدعي الوزير على العادة فيحضر إلى القصر ، فيركب الخليفة بزيّ أيام الرّكوب ، من غير مظلّة ولا ما يجري مجراها بل في هيئة عظيمة من الثّياب ، والوزير تابعه في الجمع الهائل على ترتيب الموكب . ويخرج شاقّا القاهرة «
b
» من باب زويلة ، وسالكا الشّارع إلى آخر الرّكن من بستان عبّاس المعروف اليوم بسيف الإسلام « 2 » ، فيعطف سالكا على جامع ابن طولون - والجسر الأعظم بين البركتين «
c
» - إلى السّاحل بمصر ، إلى الطّريق المسلوكة على طرف الخشّابين الشّرقي على دار الفاضل إلى باب الصّناعة «
d
» بجوارها - وله دهليز مادّ بمساطب مفروشة بالحصر العبداني بسطا وتأزيرا - فيشقّها والوزير تابعه ، ويخرج منها منعطفا على الصّناعة « 3 » الأخرى - وكانت برسم المكس - إلى السّيوفيين ، ثم على منازل العزّ التي هي اليوم مدرسة « 4 » ،
هامش
(a) بولاق : بأمره .
(b) ساقطة من بولاق .
(c) بولاق : الركنين .
(d) بولاق : الصاغة .
( 1 ) عن جامع المقياس انظر فيما يلي 2 : 290 .
( 2 ) حاشية بخط المؤلف : « بستان عباس هذا موضعه اليوم يعرف بدرب ابن البابا تجاه المدرسة البندقدارية وجوار حمّام الفارقاني قرب الصليبة » . وفي صبح الأعشى 3 : 513 بعد ذلك : « عند رأس الصليبة بالقرب من الخانقاه الشيخونية الآن » .
( 3 ) حاشية بخط المؤلف : « منظرة الصناعة موضعها الآن بستان يعرف ببستان الطواشي على يسرة السالك من المراغة إلى مصر » .
( 4 ) انظر فيما يلي 576 ، 2 : 364 .